2026-10-07
«فجر اليمن» في يومها الثاني.. تقدم في تعز ومأرب وتثبيت مكاسب الساحل وتصعيد حوثي على السعودية
وثّق تقرير صدر أواخر الشهر الماضي عن مؤسسة القرن البحثية الأمريكية غير الربحية "The Century Foundation"، التي تتخذ من مدينة نيويورك مقرًا لها، علاقات متنامية بين مليشيا الحوثي وجماعات مسلحة في منطقة القرن الأفريقي. وكان تقرير أممي قد تضمّن أدلة على عمليات نقل أسلحة وأشخاص وتدريبات بين مليشيا الحوثي وإحدى تلك الجماعات، ألا وهي حركة الشباب الإسلامية الصومالية الموالية لتنظيم القاعدة.
فما عمق الروابط التي أقامتها مليشيا الحوثي في منطقة القرن الأفريقي؟ وهل نشهد تشكّل شبكة إقليمية، كما يشير تقرير مؤسسة القرن؟ وهل يؤدي تطور العلاقات بين الجماعات المسلحة على جانبي البحر الأحمر إلى الدمج بين النزاعات المسلحة؟
العلاقات مع "الشباب": من نفعية إلى إستراتيجية
تقول ندوى الدوسري، زميلة مركز الجماعات المسلحة، وواحدة من كُتّاب تقرير مؤسسة القرن، لبي بي سي عربي، إن الكثير من علاقات مليشيا الحوثي في القرن الأفريقي كانت تقتصر في بادئ الأمر على تبادل المنفعة وإجراء الصفقات، إذ "لطالما اعتمدت مليشيا الحوثي على المهربين وشبكات الجريمة في القرن الأفريقي لنقل الأسلحة والأشخاص والبضائع، لكننا وجدنا أن تلك العلاقات تطورت بشكل كبير، لا سيما في أعقاب أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول".
وأوضح الأدلة على توسع علاقات مليشيا الحوثي في تلك المنطقة تأتي من الصومال، حيث تطورت العلاقة بين مليشيا الحوثي و"حركة الشباب المجاهدين" بشكل ملحوظ خلال الأعوام الماضية، وفق تقرير مؤسسة القرن وتقرير للجنة خبراء تابعة للأمم المتحدة.
ويشير تقرير الأمم المتحدة، الذي نُشر أواخر العام الماضي، إلى أن التعاون بين الجانبين تعمّق بشكل كبير، ليشمل تهريب الأسلحة والتدريبات التقنية، بما في ذلك في مجال التكتيكات العملياتية، وتبادل الخبرات العسكرية والدعم اللوجستي، وأن ذلك قد يشكل خطرًا، ليس فقط على أمن اليمن واستقراره، وإنما على المنطقة بأسرها. ووصف التقرير هدف ذلك التعاون مع حركة الشباب بأنه ليس مجرد علاقة تتسم بتبادل المنفعة، بل تدخل كذلك في إطار استراتيجية حوثية ترمي إلى زيادة نفوذ مليشيا الحوثي في المنطقة.
ويشير تقرير الأمم المتحدة إلى مصادرة السلطات الصومالية أسلحة ومتفجرات مهربة من اليمن، وإلى اعتراف مواطن صومالي تابع لـ"الشباب" بالتنسيق مع مليشيا الحوثي والمساعدة في تسهيل سفر حوالي 400 صومالي لتلقي تدريبات عسكرية وأيديولوجية في مناطق تسيطر عليها مليشيا الحوثي في اليمن. ويضيف التقرير أن لجنة الخبراء تلقت معلومات من مصادر مسؤولة تشير إلى احتفاظ "الشباب" بوجود عملياتي في محافظة حضرموت، وأن الخلايا الصومالية الموجودة هناك مهمتها بالأساس شراء أسلحة من عناصر تابعة لمليشيا الحوثي وتهريبها إلى الصومال.
ويتحدث تقرير مؤسسة القرن، الذي يحمل عنوان: "من طرف تابع إلى مركز محوري: الحوثيون في أفريقيا"، عن مساعٍ من مليشيا الحوثي لتدريب مجندين صوماليين في اليمن، ويقول إن مهندسين من مليشيا الحوثي سافروا إلى مناطق خاضعة لسيطرة حركة الشباب في الصومال. كما يلفت إلى وجود تدريبات في مجالات تشمل تصنيع العبوات الناسفة المرتجلة وتكييف الطائرات المسيّرة لمواءمة متطلبات محددة وصيانة الأسلحة.
وتقول الدوسري إن مليشيا الحوثي "تحصل على موطئ قدم أوسع في القرن الأفريقي، بما في ذلك شبكات وعلاقات ونفوذ ميداني، بينما تستفيد حركة الشباب من الأسلحة والتكنولوجيا والخبرات العسكرية التي راكمتها مليشيا الحوثي خلال أكثر من عقد من الحرب في اليمن".
وتنبغي الإشارة إلى أن مليشيا الحوثي والشباب لديهما أهداف مختلفة ويعملان في بيئات مختلفة. كما يختلف الطرفان من الناحية الأيديولوجية، إذ تنتمي مليشيا الحوثي إلى المذهب الشيعي الزيدي، في حين ينتمي أعضاء حركة الشباب إلى المذهب السني. فهل تظل العلاقة بين الجانبين علاقة نفعية مبنية على المصالح بالأساس، أم يمكن أن تتطور إلى ما هو أبعد من ذلك؟
وفي تصريحات لبي بي سي نيوز عربي، يقول البروفيسور ستيغ يارل هانسن، أستاذ العلوم السياسية في الجامعة النرويجية لعلوم الحياة ومؤلف كتاب "الشباب في الصومال: تاريخ وأيديولوجية حركة إسلامية مسلحة"، إنه "نظرًا للاختلافات الأيديولوجية، بما في ذلك احتمال أن تؤدي مثل هذه العلاقة إلى نفور المجندين في صفوف حركة الشباب، أظن أن طبيعتها نفعية".
ويضيف هانسن: "ربما كان هناك بعض من قادة حركة الشباب الذين يرغبون في الاستفادة من كفاءة مليشيا الحوثي في تصنيع الطائرات المسيّرة. بشكل عام، تمكنت حركة الشباب من تحقيق فائض مالي كبير، وهو ما قد يشكل عامل جذب لمليشيا الحوثي".
لكن الدوسري ترى أن العلاقة بين الطرفين قد تخلق في المستقبل رابطًا مباشرًا قد يصعب عكس مساره بين النزاع في اليمن والنزاع في دولة الصومال، التي تشهد صراعًا مسلحًا منذ نحو عقدين بين الحكومة في مقديشيو وحركة الشباب: "بمجرد أن تقيما علاقات شخصية وخطوط تدريب وطرقًا لنقل الأسلحة وقنوات لنقل الخبرات التقنية، فإن كل هذه الأشياء من الممكن أن تستمر حتى إذا تغيرت الظروف السياسية التي قرّبت بين الجماعتين في الأصل. وهذا ما يجعل هذه العلاقة على وجه الخصوص مثيرة للقلق".
انتشار أوسع عبر البحر الأحمر
الصومال ليس البلد الوحيد في منطقة القرن الأفريقي الذي حظي باهتمام مليشيا الحوثي. يتحدث تقرير مؤسسة القرن عن جيبوتي والسودان وإريتريا بوصفها بلدانًا أخرى تشهد تنامي أنشطة مليشيا الحوثي وشبكاتها، أو تتوفر فيها ظروف قد تتيح لمليشيا الحوثي فرصًا لتوسيع نطاق نفوذها في المستقبل.
ربما تساعد الجغرافيا في شرح أسباب اهتمام مليشيا الحوثي بتنويع مصادر حصولها على المواد الخام والمكونات اللازمة لصنع أسلحتها، ولا سيما في دولة جيبوتي التي تقع على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر مقابل اليمن مباشرة، وبها واحد من أهم موانئ المنطقة، ميناء جيبوتي المطل على بوابة مضيق باب المندب. يشير التقرير إلى أن الميناء أصبح مركزًا لعمليات التهريب التي تقوم بها مليشيا الحوثي، وأنها تستغل البنية التحتية التجارية وشبكات النقل القانونية للحصول على ما تحتاجه من معدات ومكونات ثم تنقلها إلى اليمن.
وفقًا للتقرير، بدأت مليشيا الحوثي في دعم الجيش السوداني في نزاعه مع قوات الدعم السريع في منتصف عام 2024، إذ أفادت تقارير بأنها نقلت إليه أسلحة خفيفة نيابة عن إيران. ويشير التقرير نقلًا عن عدة مصادر إلى وجود عناصر من مليشيا الحوثي في ميناء بورتسودان تستخدمه كمركز لوجستي ومالي، وإلى انتقال الأسلحة والأشخاص عبر البحر الأحمر في الاتجاهين. ورغم وجود عدد متنامٍ من الأدلة التي تدعم تلك المزاعم، يلفت التقرير إلى أنها ليست قاطعة.
ويتحدث تقرير مؤسسة القرن عن أن مليشيا الحوثي قد تعيد بناء علاقاتها مع إريتريا بمساعدة من إيران، وربما تستخدمها كنقطة عبور للأسلحة المتجهة إلى اليمن. لكن الأدلة المتاحة من المصادر المفتوحة لم تؤكد بشكل قاطع حتى الآن وجود نشاط في مواقع التهريب المزعومة.
تقول الدوسري إن غياب الأدلة القاطعة لا ينبغي أن "يدفعنا إلى غض الطرف عما نراه في القرن الأفريقي"، وتضيف: "هناك درس تعلمناه من النزاع في اليمن، وهو أنه لا ينبغي التقليل من شأن مليشيا الحوثي لعدم كفاية الأدلة. أتذكّر أنه قبل عقد من الزمان، كان هناك الكثير من الجدل حول حجم الدعم الإيراني لمليشيا الحوثي، وكان يرجع ذلك جزئيًا إلى غياب الأدلة القوية. وبحلول الوقت الذي أصبحت فيه الأدلة دامغة، كانت مليشيا الحوثي قد أنشأت بالفعل قدرات عسكرية كبيرة، وأصبحت علاقاتها بإيران أقوى، وأضحت مواجهتها أصعب".
هل نشهد تشكّل شبكة إقليمية؟
يرى تقرير مؤسسة القرن أن توسّع مليشيا الحوثي في القرن الأفريقي على امتداد البحر الأحمر وخليج عدن، يحاكي الجهود التي بذلتها إيران وجماعة حزب الله اللبنانية في بداية القرن الحالي لإنشاء شبكات من الجماعات المسلحة في منطقة الشرق الأوسط، والتي أصبحت فيما بعد تشكّل ما يُعرف بـ"محور المقاومة"، وأن مليشيا الحوثي تسعى إلى ترسيخ مكانتها كمركز جديد لذلك المحور.
لكن البروفيسور هانسن يرى أن وصف العلاقات الحالية بأنها تمثّل نشوء شبكة إقليمية أوسع من الجماعات المسلحة يعتبر "مبالغًا فيه بشكل كبير"، مضيفًا أن "أنشطة مليشيا الحوثي في أفريقيا لا تزال محدودة، وهي أقل بكثير من أنشطة إيران".
كما أن دور إيران يضيف تعقيدًا إلى الصورة. فهناك تحالف وثيق بين طهران ومليشيا الحوثي التي استفادت من الدعم العسكري الإيراني، لكنها أصبحت أكثر تطورًا في مجال بناء نظم أسلحة خاصة بها. كما أن علاقتها بطهران لا تعني أنها تمارس كامل سيطرتها عليها. يقول هانسن: "مليشيا الحوثي متحالفة مع الإيرانيين، لكنها ليست دمية تُحركها طهران. حلفاء مليشيا الحوثي يمكن أن يدعموا إيران، ما لم يكبدهم ذلك الدعم تكلفة باهظة".
السؤال إذن: هل هناك دلائل قد تشير إلى أن علاقات مليشيا الحوثي مع جماعات مسلحة في القرن الأفريقي آخذة في التحول إلى شبكة إقليمية تستطيع الاستمرار والصمود؟
تقول الدوسري إنه سيكون من الصعب تحديد مدى تطور تلك العلاقات لأنها على الأرجح ستواصل عملها في الخفاء، "لكن ما سأراقبه هو الأدلة على القدرات التي تنتقل بالفعل: أن تستخدم حركة الشباب أو أي جماعات مسلحة أخرى مسيّرات أو أسلحة في منطقة القرن الأفريقي تشير إلى تقنيات حوثية أو إيرانية، أو تنفيذ هجمات بحرية أو عمليات قرصنة أكثر تعقيدًا أو تنسيقًا في خليج عدن وغرب المحيط الهندي، أو وجود أكبر لمليشيا الحوثي في الصومال، أو أن تزداد عمليات التهريب والتدريب واللوجستيات تعقيدًا وتنسيقًا".
وفي حال تعمّق تلك الروابط، تقول الدوسري، فإن التهديدات الموجّهة للأمن الملاحي في باب المندب وخليج عدن قد تصبح أكثر انتشارًا وأكبر قدرة على التكيف، ومن ثم ستزداد
صعوبة تحديدها أو نسبتها لجهة محددة أو إحباطها.
| تُشغّلها بحرية الحرس الثوري وحزب الله بلبنان، واستخدمتها مليشيا الحوثي وفصائل عراقية لاستهداف السعودية ودول خليجية.. تقود مليشيا الحوثي الإرهابية ، والفصائل الموالية لإيران في العراق، عمليات منسقة ضد دول الخليج العر مشاهدة المزيد
في أول حوار لها منذ توليها منصب وزيرة الخارجية، أكدت الدكتورة أفراح الزوبة أن العلاقة بين مليشيا الحوثي وإيران تقوم على «التخادم»، مشيرة إلى أن الجماعة تمتلك مشروعاً داخلياً، فيما توظفها إيران لتعزيز نفوذها الإقل مشاهدة المزيد