12 عاماً من حرب الحوثيين.. كيف تحولت النساء والأطفال في اليمن إلى ضحايا دائمين للهشاشة؟

2026-09-05 23:12:00 أخبار اليوم - متابعات

    

لم تعد الحرب في اليمن مجرد صراع مسلح طال أمده، بل تحولت إلى أزمة ممتدة أعادت تشكيل حياة ملايين اليمنيين، ودفعت الفئات الأكثر ضعفاً إلى دائرة متواصلة من الفقر والحرمان والخوف، وفي مقدمتها النساء والأطفال الذين باتوا يتحملون النصيب الأكبر من تداعيات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي والإنساني.

 

ومنذ انقلاب مليشيا الحوثي الإرهابية في سبتمبر 2014، دخل اليمن مرحلة طويلة من الاضطراب خلفت آثاراً عميقة تجاوزت الخسائر المباشرة في الأرواح والممتلكات، لتصل إلى تآكل مقومات الحياة الأساسية، وتراجع قدرة المجتمع على الصمود أمام الصدمات المتلاحقة.

 

وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الحرب أعادت مسار التنمية البشرية في اليمن إلى الوراء لأكثر من عقدين، بعد أن طالت أضرارها البنية التحتية والخدمات الأساسية، بما في ذلك الطرق والجسور ومحطات الطاقة والمنشآت الصحية والتعليمية والمرافق الاقتصادية، فيما يحتاج البلد إلى سنوات طويلة لاستعادة مستويات التعافي التي سبقت الحرب.

 

هذا التراجع وضع اليمن ضمن أكثر البيئات هشاشة وخطورة على مستوى العالم، حيث تصنف المؤشرات الدولية البلاد في مقدمة الدول المتأثرة بالنزاعات وانعدام الأمن، في ظل تراجع الخدمات العامة، وتدهور الاقتصاد، وتقلص فرص العمل، واتساع رقعة الفقر والنزوح.

 

لكن آثار الحرب لم تتوزع بصورة متساوية بين اليمنيين، إذ وجدت النساء والأطفال أنفسهم في مقدمة الفئات التي تواجه تداعياتها، نتيجة ضعف القدرة على مواجهة الأزمات، وتراجع شبكات الحماية، وفقدان مصادر الدخل، واتساع مخاطر العنف والاستغلال والحرمان من الخدمات الأساسية.

 

الحرب كآلة لإعادة إنتاج الهشاشة

لم تعد الهشاشة في اليمن حالة طارئة مرتبطة بظرف مؤقت، بل أصبحت مساراً متراكماً تعيد الحرب إنتاجه عاماً بعد آخر، بفعل تداخل عوامل الفقر والنزوح وانعدام الأمن الغذائي وضعف المؤسسات وتراجع الحماية الاجتماعية.

 

وتعني الهشاشة في هذا السياق اجتماع ارتفاع مستوى التعرض للمخاطر مع ضعف القدرة على مواجهتها، بحيث تصبح الأسر والمجتمعات أقل قدرة على امتصاص الصدمات أو استعادة أوضاعها الطبيعية بعد كل أزمة جديدة.

 

وفي الحالة اليمنية، أسهم استمرار الحرب في إضعاف مؤسسات الدولة، وتراجع الخدمات، وتآكل مصادر الدخل، وتوسيع دائرة النزوح، الأمر الذي جعل ملايين اليمنيين يعيشون في حالة اعتماد متزايد على المساعدات الإنسانية، مع محدودية الخيارات المتاحة للخروج من دائرة الاحتياج.

 

وكانت النساء والأطفال الأكثر تعرضاً لهذه التداعيات؛ فالنساء تحملن أعباء إضافية بعد فقدان المعيل أو تراجع مصادر الدخل، فيما واجه الأطفال مخاطر متزايدة مرتبطة بالتسرب من التعليم، وسوء التغذية، والاستغلال، والتجنيد، والعمل المبكر.

 

الجوع والفقر.. الوجه الأكثر قسوة للحرب

يعد انعدام الأمن الغذائي أحد أبرز مظاهر الهشاشة التي أنتجتها الحرب الممتدة في اليمن، بعدما تراجعت مصادر الدخل وتضررت سبل العيش، وأصبحت ملايين الأسر عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية بصورة منتظمة.

 

واضطرت أسر كثيرة إلى تبني وسائل تكيف قسرية، من بينها تقليل كمية الطعام أو الاكتفاء بوجبات أقل خلال اليوم، نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية وانقطاع مصادر الدخل.

 

وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن أكثر من 60% من الأسر اليمنية تعاني من عدم كفاية استهلاك الغذاء، فيما تتزايد أعداد المحتاجين إلى المساعدات الإنسانية مع استمرار الأزمة الاقتصادية وتراجع فرص التعافي.

 

وتوقعت الأمم المتحدة خلال عام 2026 حاجة أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، في وقت حذرت فيه من ارتفاع مستويات الجوع الحاد، مع معاناة أكثر من 18 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي، بينهم ملايين الأطفال الذين يواجهون مخاطر سوء التغذية.

 

وتظهر هذه الأرقام حجم التأثير المباشر للحرب على الأطفال والنساء، حيث يؤدي نقص الغذاء وتراجع التنوع الغذائي إلى تهديد النمو الجسدي والعقلي للأطفال، ورفع المخاطر الصحية على النساء، خصوصاً الحوامل والمرضعات.

 

ولا تتوقف آثار الجوع عند حدود المعاناة الحالية، إذ تتحول إلى عامل يهدد مستقبل الأجيال القادمة، من خلال إضعاف القدرات التعليمية والصحية وتقويض رأس المال البشري، بما يطيل أمد دائرة الهشاشة في المجتمع اليمني.

 

تراجع الدعم الإنساني.. أسر تدفع نحو خيارات قاسية

بعد أكثر من عقد من الحرب، أصبحت المساعدات الإنسانية شرياناً أساسياً لبقاء ملايين اليمنيين، إلا أن تراجع التمويل الدولي خلال السنوات الأخيرة أدى إلى تقليص العديد من البرامج الإغاثية التي تعتمد عليها الأسر الأكثر ضعفاً.

 

وتشير تقارير أممية إلى أن خطط الاستجابة الإنسانية في اليمن واجهت نقصاً غير مسبوق في التمويل، الأمر الذي أجبر منظمات الإغاثة على خفض أو تعليق بعض البرامج المرتبطة بالغذاء والصحة والخدمات الأساسية.

 

ومع تراجع المساعدات وارتفاع تكاليف المعيشة، اضطرت أسر كثيرة إلى البحث عن وسائل بقاء بديلة، كان من بينها التسول، الذي تحول في بعض الحالات من حل مؤقت إلى مصدر دخل مستمر.

 

وكانت النساء والأطفال الأكثر ظهوراً في هذه الظاهرة، خصوصاً الأسر التي فقدت المعيل أو اضطرت إلى النزوح، حيث أصبح بعضهم يفترشون الشوارع وأماكن التجمعات العامة طلباً للمساعدة.

 

غير أن هذا النوع من التكيف القسري يحمل مخاطر إضافية، إذ يجعل النساء والأطفال أكثر عرضة للاستغلال والعنف وانتهاك الكرامة، ويزيد من احتمالات خروج الأطفال من التعليم وانخراطهم في أنماط عمل خطرة أو استغلالية.

 

لم تقتصر تداعيات الحرب الممتدة في اليمن على الجوانب الاقتصادية والمعيشية، بل امتدت إلى منظومات الحماية الاجتماعية والقانونية التي يفترض أن توفر الأمان للفئات الأكثر ضعفاً، ومع تراجع دور المؤسسات وتآكل شبكات الدعم المجتمعي، وجدت النساء والأطفال أنفسهم أمام مخاطر متزايدة من العنف والاستغلال والانتهاكات المتعددة.

 

ففي بيئة يغيب فيها الاستقرار وتتراجع فيها قدرة المؤسسات على الاستجابة، تتحول الهشاشة إلى دائرة مغلقة؛ إذ يؤدي الفقر والنزوح وفقدان مصادر الدخل إلى زيادة التعرض للمخاطر، فيما يؤدي ضعف الحماية إلى استمرار هذه المخاطر وتوسعها.

 

النساء.. أعباء الحرب وضحايا العنف المتصاعد

دفعت النساء اليمنيات ثمناً باهظاً للحرب، ليس فقط باعتبارهن متضررات من آثارها المباشرة، بل باعتبارهن في كثير من الحالات المعيلات الرئيسيات لأسر فقدت مصادر دخلها أو أحد أفرادها.

 

ومع تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات النزوح وتآكل شبكات الأمان، أصبحت النساء أكثر عرضة لأشكال متعددة من العنف والاستغلال، بدءاً من العنف الأسري والمجتمعي، وصولاً إلى الاستغلال الاقتصادي والانتهاكات المرتبطة بالنزوح والفقر.

 

وتشير تقديرات أممية إلى أن نحو 6.2 ملايين امرأة وفتاة في اليمن يواجهن مخاطر مرتفعة للعنف، فيما تتعرض واحدة من كل ثلاث نساء لشكل من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، في مؤشر يعكس اتساع نطاق المشكلة وتحولها إلى ظاهرة مرتبطة بواقع الحرب المستمرة.

 

وتزداد خطورة هذه الانتهاكات في ظل ضعف آليات الحماية والمساءلة، الأمر الذي يسمح باستمرار العديد من الجرائم دون رادع، ويعمق شعور الضحايا بالعجز والخوف.

 

الابتزاز الإلكتروني.. وجه جديد لمعاناة النساء والفتيات

ومع توسع استخدام التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، برز الابتزاز الإلكتروني كأحد الأنماط الجديدة للعنف الذي يهدد النساء والفتيات في اليمن، حيث تحولت الخصوصية الرقمية إلى ساحة أخرى للاستغلال والضغط النفسي.

 

وتشير تقارير حقوقية إلى تصاعد حالات الابتزاز الإلكتروني خلال سنوات الحرب، عبر اختراق الحسابات الشخصية، أو الاستيلاء على الصور والبيانات الخاصة، أو استغلال محتويات الأجهزة الإلكترونية بهدف التهديد والتشهير.

 

وتكمن خطورة هذا النوع من الانتهاكات في خصوصية المجتمع اليمني المحافظ، حيث قد تتحول حملات التشهير والتهديد إلى ضغوط نفسية واجتماعية قاسية على الضحايا، تصل في بعض الحالات إلى عواقب مأساوية.

 

كما أن ضعف الحماية القانونية والاجتماعية، إلى جانب الخوف من الوصمة المجتمعية، يدفع بعض الضحايا إلى الصمت أو تحمل المعاناة بعيداً عن أي دعم أو مساعدة.

 

ولا يمثل الابتزاز الإلكتروني مجرد اعتداء على الخصوصية، بل أصبح أحد مظاهر هشاشة النساء في زمن الحرب، لأنه يجمع بين العنف النفسي والاجتماعي والرقمي، ويضاعف من عزلة الضحايا ومعاناتهن.

 

الأطفال.. بين الفقر والتجنيد وفقدان المستقبل

أما الأطفال، فقد تحولوا إلى إحدى أكثر الفئات تضرراً من استمرار النزاع، حيث تداخلت آثار الفقر والنزوح وانهيار التعليم مع مخاطر الاستغلال والتجنيد والانتهاكات المختلفة.

 

فمع فقدان كثير من الأسر مصادر دخلها، وتراجع فرص التعليم، أصبح بعض الأطفال عرضة للاستغلال داخل سوق العمل أو جرّهم إلى بيئات النزاع، في وقت يفترض أن تكون فيه سنوات الطفولة مرحلة للتعلم والنمو الآمن.

 

ويعد تجنيد الأطفال أحد أخطر مظاهر استغلال هشاشتهم، إذ يتحول الطفل في بيئة الحرب من ضحية للظروف إلى أداة تستخدم في الصراع، بما يهدد حياته ومستقبله وقدرته على الاندماج الطبيعي في المجتمع.

 

ووثقت الأمم المتحدة حالات متعددة لتجنيد أطفال في اليمن، بينهم من استخدموا في مهام قتالية أو أعمال مرتبطة بالمواجهات، إضافة إلى تسجيل انتهاكات أخرى شملت القتل والإصابات والعنف الجنسي.

 

كما أشارت تقارير حقوقية إلى أن مليشيا الحوثي تستغل البيئة التعليمية والمراكز الصيفية في المناطق الخاضعة لسيطرتها للتأثير على الأطفال واستقطابهم، الأمر الذي يفاقم من مخاطر تحويل التعليم إلى مساحة للتعبئة المرتبطة بالصراع بدلاً من كونه طريقاً لبناء المستقبل.

 

وتحذر منظمات دولية من أن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى إنتاج جيل متأثر بالعنف، فاقد لفرص التعليم والتأهيل، وهو ما يعني انتقال آثار الحرب من الحاضر إلى العقود المقبلة.

 

النزوح.. بداية سلسلة جديدة من المعاناة

يمثل النزوح الداخلي أحد أكبر مسارات إعادة إنتاج الهشاشة في اليمن، إذ لا يعني فقدان المنزل فقط، بل يعني أيضاً فقدان مصادر الدخل، وشبكات الدعم الاجتماعي، والقدرة على الوصول إلى الخدمات الأساسية.

 

وخلال سنوات الحرب، اضطر ملايين اليمنيين إلى مغادرة مناطقهم بحثاً عن الأمان، وتشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر من النازحين، ما جعلهم أكثر عرضة لمخاطر الفقر والمرض والاستغلال.

 

وتشير تقديرات دولية إلى ارتفاع أعداد النازحين داخلياً في اليمن إلى أكثر من خمسة ملايين شخص، وسط استمرار الاحتياجات الإنسانية وصعوبة توفير حلول دائمة للعديد من الأسر النازحة.

 

ويواجه النازحون تحديات متراكمة تشمل صعوبة الحصول على التعليم والرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية، إضافة إلى فقدان فرص العمل والاعتماد على مساعدات غير مستقرة.

 

وتتحمل النساء النازحات أعباء إضافية، خصوصاً في الأسر التي فقدت المعيل، حيث يجمعن بين مسؤوليات الإعالة والرعاية في ظروف اقتصادية واجتماعية قاسية.

 

أما الأطفال، فيواجهون خطر الانقطاع عن الدراسة، والعمل المبكر، وسوء التغذية، والاستغلال، ما يجعل النزوح عاملاً إضافياً في تعميق هشاشتهم.

 

تآكل الحماية.. الحلقة التي تطيل عمر الأزمة

تكشف تجربة اليمن خلال سنوات الحرب أن الهشاشة لم تعد نتيجة مباشرة للقتال فقط، بل أصبحت نتاجاً لتفاعل مجموعة من العوامل المتراكمة: الفقر، النزوح، ضعف المؤسسات، تراجع الخدمات، وانهيار منظومات الحماية.

 

فكلما ضعفت قدرة المجتمع والدولة على حماية الفئات الأضعف، اتسعت مساحة الاستغلال والعنف، وأصبح التعافي أكثر صعوبة، خصوصاً بالنسبة للأطفال الذين يفقدون سنوات أساسية من التعليم والنمو، والنساء اللواتي يتحملن أعباء مضاعفة في بيئة غير مستقرة.

 

ومن هنا فإن معالجة آثار الحرب لا يمكن أن تقتصر على تقديم المساعدات الطارئة، بل تتطلب إعادة بناء منظومات الحماية، وتعزيز سيادة القانون، وتوفير خدمات التعليم والصحة والدعم النفسي والاجتماعي، بما يوقف انتقال الهشاشة من جيل إلى آخر.

 

لم تترك الحرب الممتدة في اليمن آثارها على الحاضر فقط، بل امتدت لتطال مستقبل البلاد عبر استنزاف رأس المال البشري، خصوصاً لدى الأطفال والنساء، بعدما تضررت منظومات التعليم والصحة والتغذية، وهي القطاعات التي تمثل الأساس في بناء مجتمع قادر على التعافي والنهوض.

 

فالحرب لم تدمر المنشآت والخدمات فحسب، بل أضعفت قدرة الإنسان اليمني على تطوير قدراته والحصول على الفرص التي تمكنه من تجاوز آثار الأزمة، ما جعل هشاشة الأجيال القادمة واحدة من أخطر تداعيات الصراع طويل الأمد.

 

التعليم.. خسارة جيل كامل لفرص المستقبل

يعد التعليم من أكثر القطاعات التي تعرضت للضرر خلال سنوات الحرب، بعدما تسببت الأوضاع الأمنية والاقتصادية في إغلاق مدارس، وتراجع انتظام العملية التعليمية، ونقص الكوادر والموارد، إضافة إلى تأثير النزوح والفقر على قدرة الأسر على إبقاء أطفالها داخل المدارس.

 

وتشير تقديرات وتقارير محلية ودولية إلى أن نسبة كبيرة من الأطفال في سن التعليم أصبحت خارج مقاعد الدراسة، خصوصاً بين النازحين والفئات الأكثر فقراً، وهو ما يهدد بتحول الحرمان التعليمي إلى أزمة طويلة الأمد.

 

ولا يقتصر أثر الانقطاع عن التعليم على فقدان سنوات دراسية، بل يفتح المجال أمام مخاطر أخرى، مثل عمالة الأطفال، والتسول، والاستغلال، والتجنيد، ويضعف قدرة الأطفال على اكتساب المهارات اللازمة للاندماج الاقتصادي والاجتماعي مستقبلاً.

 

كما أن تراجع التعليم يمثل تهديداً مباشراً لرأس المال البشري في اليمن، إذ إن الطفل الذي يفقد فرصة التعلم اليوم يصبح أكثر عرضة للفقر والتهميش غداً، ما يعزز استمرار دائرة الهشاشة عبر الأجيال.

 

الصحة والتغذية.. جسد المجتمع يدفع ثمن الحرب

بالتوازي مع تراجع التعليم، تعرض القطاع الصحي لضغوط هائلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالمرافق الطبية، ونقص الإمكانات، وتراجع القدرة على تقديم الخدمات الأساسية.

 

وأدى ضعف النظام الصحي إلى عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها، إضافة إلى ارتفاع المخاطر المرتبطة بسوء التغذية، خصوصاً بين الأطفال والنساء.

 

وتشير بيانات وتقارير إنسانية إلى أن ملايين الأطفال والنساء في اليمن يعانون من أشكال مختلفة من سوء التغذية، في ظل صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية والغذاء الكافي.

 

ويعد الأطفال الأكثر تضرراً من هذا الوضع، إذ يؤثر سوء التغذية في نموهم الجسدي والعقلي، وقدراتهم التعليمية، وفرصهم المستقبلية، بينما تواجه النساء، خصوصاً الحوامل والمرضعات، مخاطر صحية مضاعفة تنعكس على الأسرة بأكملها.

 

وهكذا تتحول تداعيات الحرب الصحية والغذائية إلى أزمة ممتدة لا تنتهي بانخفاض حدة القتال، لأنها تترك آثاراً طويلة على قدرات المجتمع وإمكانات تعافيه.

 

جراح نفسية لا تُرى.. حرب داخلية يعيشها اليمنيون

إلى جانب الخسائر المادية المباشرة، خلفت الحرب آثاراً نفسية عميقة لدى ملايين اليمنيين، نتيجة التعرض المستمر للعنف، وفقدان الأحباء، والنزوح، والخوف، والحرمان، وانعدام الاستقرار.

 

وتعد النساء والأطفال الأكثر تأثراً بهذه التداعيات، بسبب محدودية قدرتهم على التعامل مع الصدمات المتكررة، وضعف خدمات الدعم النفسي المتاحة.

 

وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين اليمنيين بحاجة إلى دعم نفسي متخصص، في وقت تعاني فيه البلاد من نقص شديد في الكوادر والخدمات المتخصصة، ما يجعل الكثير من المصابين بالصدمات يعيشون مع معاناتهم دون تدخل أو علاج مناسب.

 

وبالنسبة للأطفال، تظهر آثار الحرب النفسية في صور متعددة، تشمل الخوف المستمر، والقلق، والاكتئاب، واضطرابات النوم، والعزلة الاجتماعية، وتراجع الأداء الدراسي.

 

أما النساء، فقد زادت معاناتهن النفسية بفعل فقدان المعيل، وتحمل مسؤوليات اقتصادية واجتماعية إضافية، والتعرض للعنف أو النزوح أو فقدان أحد أفراد الأسرة.

 

ولا تمثل هذه الآثار مجرد حالات فردية، بل تشكل أزمة مجتمعية واسعة، إذ يمكن للصدمات النفسية غير المعالجة أن تؤثر في العلاقات الاجتماعية، وقدرة الأفراد على العمل والتعلم، واستعادة حياتهم الطبيعية بعد انتهاء الحرب.

 

الحرب أعادت تشكيل حياة اليمنيين.. وكسر دائرة الهشاشة يبدأ باستعادة الدولة

تكشف مسارات الحرب في اليمن خلال أكثر من عقد أن الصراع لم يترك وراءه خسائر بشرية ومادية فقط، بل أعاد إنتاج منظومة واسعة من الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، جعلت ملايين اليمنيين يعيشون تحت ضغط مستمر من الفقر والخوف وانعدام الخيارات.

 

وتظهر تجربة النساء والأطفال بصورة خاصة كيف يمكن للحرب الطويلة أن تحول الأزمات المؤقتة إلى واقع مزمن؛ فالنزوح يتحول إلى فقدان دائم لمصادر الحياة، والفقر يتحول إلى حرمان متوارث، وانقطاع التعليم يتحول إلى تهديد لمستقبل جيل كامل.

 

كما تؤكد المؤشرات أن ضعف منظومات الحماية وتراجع الخدمات العامة ساهما في توسيع دائرة المخاطر، وجعلا الفئات الأكثر ضعفاً تتحمل الجزء الأكبر من كلفة الصراع.

 

ولا يمكن مواجهة هذه التداعيات عبر المساعدات الإنسانية وحدها، رغم أهميتها، بل تحتاج اليمن إلى مسار شامل يعيد بناء مؤسسات الدولة، ويعزز منظومات الحماية الاجتماعية والقانونية، ويوفر فرص التعليم والصحة والعمل، ويضمن حماية النساء والأطفال من الاستغلال والانتهاكات.

 

وفي هذا السياق، فإن إنهاء انقلاب مليشيا الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة وبناء سلام مستدام يمثل المدخل الأساسي للخروج من دائرة الهشاشة، وإعادة اليمنيين إلى مسار التعافي والتنمية، بما يضمن للأجيال القادمة حياة أكثر أمناً واستقراراً وكرامة.

 

* المصدر: د. إسماعيل السهيلي

    

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
من أصفهان إلى صحوة صعدة وجرف الصخر بالعراق.. طائرة "صيّاد" أداة نفوذ إيرانية عابرة للحدود

| تُشغّلها بحرية الحرس الثوري وحزب الله بلبنان، واستخدمتها مليشيا الحوثي وفصائل عراقية لاستهداف السعودية ودول خليجية.. تقود مليشيا الحوثي الإرهابية ، والفصائل الموالية لإيران في العراق، عمليات منسقة ضد دول الخليج العر مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
وزيرة الخارجية اليمنية لـ (الشرق الأوسط): علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران وتصعيد الجماعة يهدد المنطقة والملاحة الدولية

في أول حوار لها منذ توليها منصب وزيرة الخارجية، أكدت الدكتورة أفراح الزوبة أن العلاقة بين مليشيا الحوثي وإيران تقوم على «التخادم»، مشيرة إلى أن الجماعة تمتلك مشروعاً داخلياً، فيما توظفها إيران لتعزيز نفوذها الإقل مشاهدة المزيد