المسيّرات تغيّر معادلة الجبهات.. الجيش اليمني ينتقل من الرصد إلى الضرب الدقيق ويضيّق حركة مليشيا الحوثي

2026-08-18 03:58:47 أخبار اليوم – تقرير خاص


تكشف التطورات الميدانية الأخيرة في جبهات مأرب وتعز والضالع وشبوة والساحل الغربي وصعدة عن تحول متدرج في طريقة استخدام القوات المسلحة اليمنية للطائرات المسيّرة، من مجرد الاستطلاع وكشف التحركات إلى تصحيح نيران المدفعية وتنفيذ ضربات مباشرة ضد تجمعات وتعزيزات ومواقع تابعة لـمليشيا الحوثي الإرهابية.

ويأتي هذا التحول في واقت تحاول فيه المليشيات فرض ضغط واسع بالصواريخ الباليستية والمسيّرات والهجمات البرية، إلا أن توسع استخدام الجيش للمسيّرات بدأ، وفق تقارير عسكرية ومصادر بحثية متخصصة، في رفع دقة النيران الحكومية، وتعطيل الحشود الحوثية، وتقليص قدرة المليشيات على التحرك المكشوف قرب الجبهات.

وفي أبرز مؤشر على حجم النشاط العسكري الجديد، أعلنت القوات المسلحة في 16 أغسطس أنها نفذت خلال 24 ساعة 181 عملية عسكرية باستخدام الطيران المسيّر والمدفعية والراجمات، استهدفت مواقع ومصادر تهديد تابعة لمليشيا الحوثي في سلسلة واسعة من الجبهات، بينها مأرب وتعز والضالع وشبوة والساحل الغربي وأبين. وقال الجيش إن العمليات أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات من عناصر المليشيات وتدمير آليات ومعدات ومخازن أسلحة.

من «عين للمدفعية» إلى سلاح ضارب

التحول الأهم لا يتعلق بعدد المسيّرات بقدر ما يتعلق بالوظيفة التي تؤديها.

فمنصة «Sheba Intelligence»، التي تابعت تسجيلات ومواد مرئية صادرة عن القوات الحكومية، قالت إن الجيش اليمني انتقل تدريجياً من الاستخدام التقليدي للمسيّرات في الاستطلاع إلى توجيه المدفعية وتصحيح الرميات وتنفيذ ضربات دقيقة.

وتقول المنصة إن المقاطع التي راجعتها من مأرب والضالع والساحل الغربي وصعدة تظهر نموذجاً عملياتياً يقوم على اكتشاف الهدف من الجو، ثم ربط معلومات المسيّرة بمدفعية ذاتية الحركة أو تنفيذ الهجوم مباشرة من الطائرة نفسها.

وفي تحليل آخر، قالت المنصة إن هذا التكامل بين المسيّرات والمدفعية أدى إلى تحسن دقة الضربات ضد المواقع والتحركات والانتشار الأمامي لمليشيا الحوثي، وجعل مراكز القيادة ووحدات المدفعية والصواريخ والتجمعات القريبة من خطوط القتال أكثر عرضة للكشف والاستهداف.

قيادات ميدانية حوثية تحت الضغط

وتربط «Sheba Intelligence» بين تطور هذا الأسلوب وبين ارتفاع ملحوظ في مقتل قيادات ميدانية حوثية خلال العمليات الأخيرة في الساحل الغربي ومأرب وصعدة.

ولا تقدم المنصة إحصائية شاملة تسمح بالجزم بأن المسيّرات وحدها مسؤولة عن جميع تلك الخسائر، لكنها تقول إن المواد المفتوحة التي تابعتها تشير إلى أن دمج الاستطلاع الجوي بالمدفعية الدقيقة وضربات المسيّرات جعل مواقع القيادة والحركة الأمامية أقل أمناً بالنسبة للمليشيات.

وهذا التأثير مهم عسكرياً؛ إذ إن الخسارة لا تُقاس فقط بعدد العناصر، وإنما باضطرار القيادات إلى تغيير أماكنها باستمرار وتقليص الحركة المكشوفة وتفريق التجمعات، وهو ما يبطئ الحشد والهجوم وإيصال التعزيزات.

الضالع.. ضرب التعزيزات قبل بدء الهجوم

ويظهر هذا الأسلوب بصورة واضحة في جبهة الضالع.

ففي 12 أغسطس أعلنت القوات المسلحة مقتل وإصابة عدد من عناصر مليشيا الحوثي في محيط سوق الفاخر غربي قعطبة، وقال مصدر عسكري إن المدفعية والطيران المسيّر استهدفا التعزيزات الحوثية أثناء تجمعها استعداداً لشن هجوم على مواقع الجيش.

وتكشف الواقعة عن واحدة من أهم ميزات المسيّرات بالنسبة للقوات الحكومية: ضرب القوة المهاجمة قبل أن تتحول إلى هجوم منظم على خطوط الدفاع.

وبدلاً من انتظار وصول الحشود الحوثية إلى نقاط الاشتباك، يصبح بإمكان القوات مراقبة مساراتها وتجمعاتها والتعامل معها في مرحلة الحشد.

شبوة.. المسيّرات تدخل في الرد المباشر

وتكرر النموذج ذاته في شبوة، حيث أعلنت القوات المسلحة إحباط هجمات ومحاولات تسلل لمليشيا الحوثي في حريب وعين وبيحان ومرخة العليا، ثم نفذت طائرات مسيّرة تابعة للجيش ضربات ضد مواقع وتعزيزات وتمركزات المليشيات.

ويمثل ذلك انتقالاً من استخدام المسيّرات باعتبارها أداة مراقبة إلى جزء مباشر من منظومة الرد على الهجمات الحوثية.

تعز.. استهداف الآليات والتجمعات

وفي تعز، أعلنت القوات المسلحة خلال الأيام الأخيرة ضرب تجمعات وتعزيزات للمليشيات في الجبهات الغربية والشمالية، كما استهدفت دبابة وعربة وآليات تابعة لمليشيا الحوثي غربي المدينة. وذكرت وكالة «سبأ» في 17 أغسطس أن القوات استهدفت تعزيزات أثناء تجمعها في منطقة الربيعي وأصابتها بصورة مباشرة.

وفي يوم واحد فقط، امتدت العمليات المعلنة للجيش من الجبهات الشمالية لتعز والضباب ومقبنة إلى قطاعات مأرب والضالع وشبوة والساحل الغربي، ضمن العمليات الـ181 التي قالت القوات إنها استخدمت فيها المسيّرات والمدفعية والراجمات معاً.

مسيّرة أثقل وأبعد مدى تظهر على جبهة صعدة

لكن التطور الأكثر لفتاً للانتباه يتعلق بما كشفته «Sheba Intelligence» عن ظهور طائرة أكبر حجماً وأطول بقاءً في الجو لدى القوات الحكومية.

وبعد تحليل صور ومقاطع صادرة عن الجيش، رجحت المنصة أن الطائرة من طراز تجاري صيني يعرف بـ DSTECHUAS G50 Heavy Load VTOL، جرى تعديله محلياً لأغراض عسكرية.

وبحسب التحليل، تستطيع الطائرة الإقلاع والهبوط عمودياً، والبقاء في الجو لساعات، وحمل تجهيزات استطلاع أو ذخائر أثقل من المسيّرات التكتيكية الصغيرة.

وقالت المنصة إن اللقطات تشير إلى استخدامها في مهام تشمل الاستطلاع وتحديد الأهداف وتصحيح نيران المدفعية وإسقاط ذخائر يُرجح أنها قذائف هاون معدلة عيار 81 ملم.

وتلفت المنصة إلى أن أهمية الطائرة تكمن في قدرتها على العمل دون مدرج، وهو عامل بالغ الأهمية في تضاريس صعدة والمناطق الجبلية، إضافة إلى إمكانية مراقبة طرق الإمداد ومواقع خلف الخطوط الأمامية لفترات أطول.

التأثير الحقيقي: الضغط خلف خطوط المليشيات

إذا توسع استخدام هذا النوع، فإن الخطر على مليشيا الحوثي لن يقتصر على مواقع التماس.

فالقدرة على التحليق لوقت أطول وحمل أجهزة رصد وذخائر أكبر تعني إمكانية متابعة طرق التعزيز والذخيرة ومراكز القيادة والمدفعية في العمق القريب خلف الجبهات.

وترى «Sheba Intelligence» أن نشر عدد كافٍ من هذه المنصات يمكن أن يفرض ضغطاً جوياً مستمراً على تحركات المليشيات ويقلص تفوقها النسبي السابق في حرب المسيّرات.

وهذه النقطة تمثل التحول الأهم في المعركة؛ لأن مليشيا الحوثي استفادت لسنوات من فارق واضح في امتلاك وتطوير الطائرات غير المأهولة، سواء بعيدة المدى أو التكتيكية.

أما دخول القوات الحكومية إلى هذه الساحة بأعداد أكبر وربط المسيّرات بالمدفعية والاستطلاع والمعلومات، فيعني بداية منافسة المليشيات في أحد الأسلحة التي بنت عليها جزءاً كبيراً من تفوقها خلال سنوات الحرب.

الصحافة الأجنبية ترصد انتقال الجيش إلى الهجوم

التغطية الأجنبية ركزت حتى الآن بصورة أكبر على موجة الهجمات الحوثية وعلى خطر عودة الحرب الشاملة، ولم أجد في «رويترز» أو «أسوشيتد برس» أو «وول ستريت جورنال» تقريراً متخصصاً حتى الآن يدرس منظومة مسيّرات الجيش اليمني بالتفصيل.

لكن صحفاً إقليمية تصدر بالإنجليزية رصدت تحول القوات الحكومية من الدفاع إلى الرد.

صحيفة The National الإماراتية قالت إن القوات المسلحة اليمنية أعلنت في 8 أغسطس عملية واسعة ضد مواقع الحوثيين على عدة جبهات بعد الهجمات الدامية على مأرب وحضرموت، وهو أول انتقال واضح في التغطية الأجنبية من الحديث عن الضربات الحوثية إلى الحديث عن رد حكومي واسع متعدد الجبهات.

كما أن «The National» وثقت تبادل الهجمات بين الجيش ومليشيا الحوثي، وسط مخاوف من تحول التصعيد إلى حرب واسعة.

أما «رويترز» و«أسوشيتد برس» فركزتا بدرجة أكبر على حجم الهجمات الحوثية والخسائر الحكومية وخطر توسع الحرب، وهو ما يجعل الظهور المتزايد للمسيّرات الحكومية تطوراً عسكرياً ما يزال أسرع من الاهتمام الإعلامي الدولي به.

حرب المسيّرات أصبحت متبادلة

وفي المقابل، لا تقف مليشيا الحوثي مكتوفة أمام هذا التطور.

فقد عثرت القوات الحكومية في مأرب في 11 أغسطس على مسيّرة FPV نُسبت للمليشيات، وتشير الأدلة المتاحة إلى استخدام اتصال بالألياف الضوئية يجعلها أكثر مقاومة للتشويش التقليد

وترى «Sheba Intelligence» أن ظهور هذه التقنية قد يكون رداً جزئياً على توسع استخدام القوات الحكومية للمسيّرات والمدفعية الموجهة؛ إذ يمكن لمسيّرات FPV استهداف المدافع ومركبات الذخيرة وأطقمها ومراكز القيادة الصغيرة بصورة منخفضة الكلفة ودقيقة.

أي أن اليمن يتجه بوضوح إلى حرب مسيّرات داخل حربه الأكبر: كل طرف يحاول كشف الآخر وضرب مدفعيته وتعزيزاته ومراكز قيادته قبل الوصول إلى الاشتباك المباشر.

هل تغير المسيّرات ميزان المعركة؟

لا تكفي المسيّرات وحدها لحسم الحرب، كما لا توجد بيانات علنية تسمح حتى الآن بتحديد عدد الطائرات التي يمتلكها الجيش أو معدل طلعاتها أو حجم الخسائر الحوثية التي تسببها بصورة مستقلة.

لكن المؤشرات المتوافرة تكشف ثلاثة تحولات واضحة:

أولاً: الجيش لم يعد يستخدم المسيّرة للمشاهدة فقط، وإنما كجزء من دورة كاملة تبدأ بالاكتشاف وتنتهي بالضربة.

ثانياً: هذا الاستخدام بدأ يمتد إلى جبهات متعددة، وليس إلى وحدة أو محور واحد.

ثالثاً: إدخال منصات أثقل وأطول مدى يفتح الباب أمام نقل الضغط من الخطوط الأمامية إلى طرق الإمداد ومواقع القيادة والمدفعية في الخلف.

وهذا قد تكون له آثار تتجاوز الخسائر المباشرة.

فحين تعرف مليشيا الحوثي أن أي حشد كبير قد يُرصد من الجو ويضرب قبل بدء الهجوم، يصبح تجميع القوة أصعب. وحين تصبح المدفعية ومراكز القيادة تحت مراقبة جوية مستمرة، تزداد الحاجة إلى الحركة والتمويه والتشتت، بما يبطئ القيادة والسيطرة.

من الدفاع إلى المبادرة

وتكشف العمليات الـ181 المعلنة خلال 24 ساعة أن القوات المسلحة تحاول الانتقال إلى مستوى أوسع من المبادرة الميدانية، لا الاكتفاء باعتراض الصواريخ والمسيّرات الحوثية بعد إطلاقها.

فالضربات شملت، بحسب الجيش، مصادر النيران والتحركات والتجمعات ومخازن الأسلحة والوسائل العسكرية في مسارح متعددة.

وهذا هو التأثير الاستراتيجي الأهم للمسيّرات إذا استمر تطويرها: ليس فقط قتل عناصر أو تدمير آلية، وإنما حرمان المليشيات من حرية الحركة والحشد التي تحتاج إليها لشن هجمات واسعة.

وفي معركة تعتمد فيها مليشيات الحوثي على تجميع القوة في محور محدد ثم الضغط بالصواريخ والمسيّرات والمدفعية، فإن إجبارها على توزيع عناصرها وإخفاء تعزيزاتها ونقل مراكز قيادتها يمكن أن يؤثر في قدرتها الهجومية حتى قبل بدء أي معركة برية واسعة.

وبذلك يبدو أن الطائرات المسيّرة تتحول تدريجياً إلى أحد أهم الأسلحة التي تمتلكها القوات المسلحة لتغيير قواعد الاشتباك مع مليشيا الحوثي.

فبعد سنوات كانت فيها المليشيات صاحبة اليد الأبرز في حرب الطائرات غير المأهولة، تظهر اليوم مؤشرات على أن الجيش بدأ يبني قدرة مقابلة تجمع بين الاستطلاع والنيران الدقيقة والضرب المباشر، ومع توسعها قد تصبح إحدى الأدوات الرئيسية في أي مرحلة قادمة من الحرب.

والسؤال الحاسم لم يعد ما إذا كان الجيش يستخدم المسيّرات، فهذا أصبح واضحاً، وإنما: هل تحولت هذه القدرات إلى منظومة واسعة ومنسقة قادرة على العمل بكثافة على جميع الجبهات؟

إذا كانت الإجابة نعم، فإن أحد أهم عناصر التفوق الذي تمتعت به مليشيا الحوثي خلال السنوات الماضية قد يكون بدأ يتآكل.

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
من أصفهان إلى صحوة صعدة وجرف الصخر بالعراق.. طائرة "صيّاد" أداة نفوذ إيرانية عابرة للحدود

| تُشغّلها بحرية الحرس الثوري وحزب الله بلبنان، واستخدمتها مليشيا الحوثي وفصائل عراقية لاستهداف السعودية ودول خليجية.. تقود مليشيا الحوثي الإرهابية ، والفصائل الموالية لإيران في العراق، عمليات منسقة ضد دول الخليج العر مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
وزيرة الخارجية اليمنية لـ (الشرق الأوسط): علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران وتصعيد الجماعة يهدد المنطقة والملاحة الدولية

في أول حوار لها منذ توليها منصب وزيرة الخارجية، أكدت الدكتورة أفراح الزوبة أن العلاقة بين مليشيا الحوثي وإيران تقوم على «التخادم»، مشيرة إلى أن الجماعة تمتلك مشروعاً داخلياً، فيما توظفها إيران لتعزيز نفوذها الإقل مشاهدة المزيد