من قصر الرئاسة إلى حكم الإعدام.. القضاء السوري يطارد بشار الأسد ورجالات نظامه بجرائم قتل وتعذيب السوريين

2026-08-12 01:25:43 أخبار اليوم/ وكالات


أول إدانة قضائية للأسد منذ سقوط نظامه.. أحكام بالإعدام تطال شقيقه ماهر وعاطف نجيب ومسؤولين سابقين واحتفالات في درعا
بعد نحو عامين من سقوط نظامه وفراره إلى روسيا، انتقل بشار الأسد من موقع الحاكم الذي امتلك طوال أكثر من عقدين أجهزة الجيش والأمن والمخابرات والسجون، إلى مدان هارب صدر بحقه حكم قضائي بالإعدام، في واحدة من أكثر المحطات رمزية في مسار محاسبة مسؤولي النظام السوري السابق على الانتهاكات التي ارتكبت بحق الشعب السوري.

وأصدرت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، الثلاثاء 11 أغسطس 2026، حكمًا غيابيًا بالإعدام بحق الرئيس السوري السابق بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد، الذي كان أحد أبرز قادة المنظومة العسكرية للنظام السابق، إلى جانب عاطف نجيب، ابن خالة الأسد والمسؤول الأمني السابق الذي ارتبط اسمه بقمع الاحتجاجات الأولى في درعا، وعدد آخر من المسؤولين السابقين.

وتكتسب الأحكام أهميتها باعتبارها أول إدانة قضائية لبشار الأسد منذ انهيار نظامه في ديسمبر 2024 وفراره إلى روسيا، لتفتح مرحلة جديدة عنوانها انتقال ملفات الانتهاكات التي ظلت لسنوات موضوعًا للتقارير الحقوقية والتحقيقات الدولية إلى قضايا وأحكام أمام القضاء السوري.

القتل والتعذيب والجرائم ضد الإنسانية

وأدين بشار الأسد وآخرون بتهم تتعلق بالقتل العمد والتعذيب والاعتقال التعسفي وجرائم ضد الإنسانية، ضمن المحاكمات المتعلقة بالانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات النزاع السوري.

وذكرت وكالة «أسوشيتد برس» أن الأحكام شملت بشار وماهر الأسد وستة مسؤولين سابقين آخرين غيابيًا، فيما كان عاطف نجيب المتهم الوحيد الموجود رهن الاحتجاز والذي مثل أمام المحكمة.

وكان القضاء السوري قد بدأ منذ أبريل الماضي محاكمات علنية لعدد من رموز النظام السابق، وجرى استدعاء بشار الأسد وماهر الأسد وفهد جاسم الفريج ولؤي العلي ووفيق ناصر وآخرين، قبل تثبيت صفتهم كمتهمين فارين ومحاكمتهم غيابيًا بعد عدم مثولهم أمام القضاء.
عاطف نجيب.. من درعا بدأت الحكاية

ويحمل وجود عاطف نجيب في القضية دلالة خاصة بالنسبة للسوريين، بالنظر إلى ارتباط اسمه بالأحداث التي شهدتها درعا في بدايات الانتفاضة السورية عام 2011.

وكان نجيب مسؤولًا أمنيًا في محافظة درعا، وأصبح واحدًا من أبرز الأسماء المرتبطة بالقمع المبكر للاحتجاجات التي انطلقت من المحافظة قبل أن تتوسع إلى أنحاء البلاد. وقد بدأت محاكمته علنًا في دمشق في أبريل الماضي وسط حضور عائلات ضحايا وممثلين عن جهات حقوقية وهيئات العدالة الانتقالية. (الوكالة العربية السورية للأنباء – سانا⁠)

وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا على الشرارة الأولى للاحتجاجات، انتهى أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتلك المرحلة واقفًا أمام محكمة سورية، بينما حوكم بشار وماهر الأسد غيابيًا لوجودهما خارج البلاد.

الأسد هاربًا في روسيا

أما بشار الأسد، الذي حكم سوريا لمدة 24 عامًا وورث السلطة عن والده حافظ الأسد، فقد انتهى حكمه في ديسمبر 2024 عقب الهجوم الذي أطاح بنظامه ودخلت خلاله قوات المعارضة دمشق، لينهي سقوطه أكثر من خمسة عقود من حكم عائلة الأسد لسوريا.

وفر الأسد إلى موسكو، حيث حصل على اللجوء، بينما بدأت السلطات السورية الجديدة فتح ملفات مسؤولي النظام السابق والانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الحرب.

وتشير «رويترز» إلى أن سنوات حكم الأسد ارتبطت باتهامات واسعة باستخدام التعذيب والحصار والقمع، فضلًا عن هجمات بالأسلحة الكيميائية وثقتها تحقيقات دولية، في حرب خلفت دمارًا هائلًا وخسائر بشرية واسعة.

من السلطة المطلقة إلى مطلوب للقضاء

يحمل حكم الثلاثاء دلالة تتجاوز العقوبة نفسها.

فالرجل الذي حكم سوريا لأكثر من عقدين وأدار نظامًا أمنيًا شديد المركزية، أصبح اليوم خارج البلاد ومحكومًا عليه بالإعدام غيابيًا أمام محكمة في العاصمة التي كان يحكم منها البلاد.

لكن الحكم يظل غيابيًا، وتنفيذه مرتبط بإمكانية وضع الأسد في قبضة القضاء السوري، وهو أمر غير متحقق حاليًا مع وجوده في روسيا.

كما يواجه الأسد مسارات قضائية خارج سوريا؛ إذ سبق أن صدرت بحقه إجراءات ومذكرات قضائية في أوروبا مرتبطة بجرائم منسوبة إلى نظامه خلال سنوات الحرب.

احتفالات في درعا

وأثار صدور الأحكام ردود فعل بين السوريين، خصوصًا في درعا، مهد الاحتجاجات التي اندلعت عام 2011، حيث شهدت المحافظة مظاهر احتفال بالحكم، في مشهد حمل رمزية كبيرة لعائلات ضحايا سنوات الحرب والقمع. )

ورحب حقوقيون سوريون بالمحاكمات باعتبارها خطوة باتجاه إنهاء حقبة الإفلات من العقاب، فيما أكدت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية قبل صدور الحكم أن محاكمة رموز النظام السابق ينبغي أن تقوم على الأدلة والشهادات والتقارير الفنية بما يعزز ثقة الضحايا والرأي العام في مسار العدالة. ⁠)

وفي المقابل، أثارت إجراءات المحاكمات انتقادات حقوقية بشأن سرعة بعض الإجراءات وضمانات الدفاع، وهي ملاحظات تضع القضاء السوري الجديد أمام اختبار لا يقل أهمية عن المحاكمات نفسها: أن تكون محاسبة مسؤولي النظام السابق قائمة على محاكمات عادلة وموثوقة، بما يمنح الأحكام قوتها القانونية ولا يحول العدالة الانتقالية إلى مجرد انتقام سياسي.

نهاية السلطة لا تعني نهاية الحساب

يحمل المشهد السوري اليوم رسالة تتجاوز أسماء المحكوم عليهم.

فسقوط النظام في ديسمبر 2024 لم يغلق ملفات الضحايا، بل نقلها من ساحات الحرب والسجون وتقارير المنظمات الحقوقية إلى قاعات المحاكم.

وبين بشار الأسد الذي يعيش خارج بلاده محكومًا عليه بالإعدام، وعاطف نجيب الذي وقف أمام القضاء، ومسؤولين آخرين تتوالى محاكماتهم، تدخل سوريا مرحلة جديدة من الصراع مع إرث سنوات طويلة من الانتهاكات.

وقد يكون الحكم رمزيًا ما دام الأسد بعيدًا عن قبضة القضاء، لكن رمزيته بالنسبة لضحايا النظام السابق ثقيلة: السلطة قد تسقط في يوم، أما حقوق الضحايا فلا ينبغي أن تسقط معها، والجرائم الجسيمة لا يمحوها تغير الحكومات ولا مرور السنوات.

ويبقى التحدي الأكبر أمام سوريا الجديدة ألا تكتفي بإدانة من انتهى عهدهم، وإنما أن تؤسس قضاءً قادرًا على محاسبة أي منتهك، أيًا كان موقعه أو انتماؤه، لأن النهاية الحقيقية لعصر الانتهاكات ليست كرة الحاكم وحده، بل قيام دولة يصبح فيها القانون أقوى من الحاكم.

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
من أصفهان إلى صحوة صعدة وجرف الصخر بالعراق.. طائرة "صيّاد" أداة نفوذ إيرانية عابرة للحدود

| تُشغّلها بحرية الحرس الثوري وحزب الله بلبنان، واستخدمتها مليشيا الحوثي وفصائل عراقية لاستهداف السعودية ودول خليجية.. تقود مليشيا الحوثي الإرهابية ، والفصائل الموالية لإيران في العراق، عمليات منسقة ضد دول الخليج العر مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
وزيرة الخارجية اليمنية لـ (الشرق الأوسط): علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران وتصعيد الجماعة يهدد المنطقة والملاحة الدولية

في أول حوار لها منذ توليها منصب وزيرة الخارجية، أكدت الدكتورة أفراح الزوبة أن العلاقة بين مليشيا الحوثي وإيران تقوم على «التخادم»، مشيرة إلى أن الجماعة تمتلك مشروعاً داخلياً، فيما توظفها إيران لتعزيز نفوذها الإقل مشاهدة المزيد