2026-05-10
طائرة إماراتية غامضة تهبط في عدن.. سجلاتها تكشف رحلات إلى إسرائيل وارتباطها بتهريب الزُبيدي

مقدمة: حين تصبح الصرافة بديلاً عن الدولة والبنوك
لم تعد شركات ومنشآت الصرافة في اليمن مجرد أدوات لتحويل أموال المغتربين أو تلبية احتياجات السوق اليومية من النقد. خلال سنوات الحرب، تحولت الصرافة، خصوصاً المنشآت الفردية وشبكات الحوالة، إلى بنية مالية موازية تنافس البنوك، وتتحرك أحياناً خارج نطاق الشفافية الكاملة، وتعمل في بيئة منقسمة بين سلطتين نقديتين، وسوقين للعملة، وشبكات مصالح تمتد بين الداخل والخارج.
ومع تصاعد العقوبات الأميركية على مليشيا الحوثي الإرهابية، ثم استهداف بنوك يمنية بعينها خلال 2025، لم يعد الخطر محصوراً في البنوك الواقعة تحت نفوذ المليشيا، بل امتد إلى كل قناة مالية يمكن أن تمنح مليشيا الحوثي منفذاً غير مباشر إلى السيولة أو التحويلات أو النظام المالي الدولي. فقد فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على بنك اليمن والكويت في يناير 2025، متهمة إياه بمساعدة مليشيا الحوثي في استغلال القطاع المصرفي اليمني لغسل الأموال وتحويلها، ثم فرضت عقوبات على بنك اليمن الدولي في أبريل 2025 بدعوى تقديم دعم مالي للحوثيين وإتاحة وصولهم إلى شبكة SWIFT.
غير أن الخطر الأكبر لا يكمن فقط في البنوك المعروفة، بل في المساحة الرمادية التي تعمل فيها شركات الصرافة والمنشآت الفردية: كيانات صغيرة، متفرقة، بعضها مسجل بأسماء أشخاص، وبعضها يتحرك عبر وكلاء، وبعضها يملك شبكات حوالة واسعة تفوق حجمه القانوني المعلن. هنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
أولاً: لماذا تمثل شركات الصرافة الفردية خطراً خاصاً؟
المنشأة الفردية في قطاع الصرافة ليست خطراً بذاتها، لكنها تصبح عالية الخطورة حين تجتمع فيها خمسة عوامل:
- ملكية غير شفافة
كثير من المنشآت الفردية تُسجل باسم شخص واحد، بينما قد يكون المستفيد الحقيقي شخصاً آخر، أو شبكة تجارية، أو جهة نافذة تستخدم الاسم المسجل كواجهة.
- ضعف الحوكمة الداخلية
الشركة الكبيرة قد تملك إدارة امتثال، سجلات، أنظمة تدقيق، ومراجعة داخلية. أما المنشأة الفردية فغالباً تعتمد على صاحبها أو مديرها أو شبكة وكلاء غير مؤسسية.
- سهولة التحرك خارج النظام البنكي
شركات الصرافة تستطيع نقل القيمة عبر الحوالات والمقاصة الداخلية دون أن تمر كل حركة عبر بنك مراسل أو نظام مصرفي رسمي.
- الانتشار الجغرافي
وجود فروع أو وكلاء في أكثر من محافظة يجعل المنشأة الصغيرة قادرة على تحريك أموال كبيرة بين مناطق الحكومة ومناطق مليشيا الحوثي دون أن يظهر ذلك كتحويل مصرفي مباشر.
- صعوبة معرفة مصدر الأموال ووجهتها النهائية
حين تكون العمليات كثيرة وصغيرة ومتكررة، يصبح تتبع المستفيد النهائي أصعب من تتبع عملية مصرفية كبيرة وواضحة.
لهذا السبب، فإن السؤال الرقابي الأخطر لم يعد: من يملك رخصة صرافة؟ بل: من يملك المنشأة فعلياً؟ من يمولها؟ من يستخدم شبكتها؟ هل تعمل لحسابها أم لحساب أطراف أخرى؟ وهل تتحول إلى جسر مالي بين مناطق الحكومة ومناطق مليشيا الحوثي؟
ثانياً: من تحويلات الناس إلى اقتصاد موازٍ
الأصل في شركات الصرافة أنها تخدم حاجات مشروعة: حوالات المغتربين، تحويلات الأسر، صرف العملات، تمويل التجارة الصغيرة. لكن الحرب غيّرت طبيعة القطاع.
مع ضعف البنوك، وتراجع الثقة بها، وانقسام البنك المركزي، واختلاف أسعار الصرف بين مناطق الحكومة ومناطق مليشيا الحوثي، صار قطاع الصرافة هو البديل العملي للبنوك. وهذا ما جعل شركات الصرافة في قلب الاقتصاد اليومي، لكنه جعلها أيضاً في قلب المخاطر.
تقارير دولية وصحفية أشارت إلى أن تآكل علاقات البنوك اليمنية بالمراسلين الأجانب دفع مزيداً من التدفقات إلى قنوات غير بنكية، ومنها شركات الصرافة والحوالة. كما حذرت الأمم المتحدة في يونيو 2024 من أن فصل بنوك صنعاء عن شبكة SWIFT قد تكون له آثار إنسانية واقتصادية كارثية، بما في ذلك تعطيل قدرة المنظمات الإنسانية على تحويل الأموال.
هذا يعني أن الضغط الدولي على البنوك لا يلغي حركة الأموال، بل قد يدفعها إلى قنوات أقل شفافية. وهنا تكمن المفارقة: كلما زاد الضغط على البنوك غير الممتثلة، زادت أهمية شركات الصرافة. وإذا لم تُضبط هذه الشركات، فقد تتحول من بديل خدمي إلى بوابة مالية خطيرة.
ثالثاً: كيف يمكن أن تصل الأموال إلى مناطق مليشيا الحوثي عبر الصرافة؟
لا يحتاج الأمر دائماً إلى تحويل مباشر مكتوب باسم جهة حوثية. المسارات الأكثر خطورة عادة تكون غير مباشرة، ومنها:
1. المقاصة الداخلية بين الفروع والوكلاء
قد تستقبل شركة صرافة أموالاً في عدن أو مأرب أو حضرموت، ثم تُسلم مقابلها في صنعاء أو إب أو ذمار عبر فرع أو وكيل أو شريك محلي. في السجلات قد تبدو العملية حوالة عائلية عادية، لكن تراكم العمليات واتجاهها وتكرار المستفيدين قد يكشف نمطاً مختلفاً.
2. استخدام أسماء أفراد كواجهات
قد تُجزأ التحويلات على أسماء أشخاص متعددين لتجنب ظهور مستفيد واحد كبير. وهذه من أكثر الطرق شيوعاً في البيئات التي تفتقر إلى نظام قوي لمعرفة العميل والمستفيد الحقيقي.
3. تمويل التجارة كغطاء
قد تمر الأموال تحت عنوان استيراد سلع، أو شراء مشتقات نفطية، أو تسوية تجارية، بينما يكون جزء من القيمة موجهاً فعلياً لصالح شبكات مرتبطة بمليشيا الحوثي أو بتهريب الوقود أو السوق السوداء.
4. التحويل عبر أكثر من محافظة
بدلاً من إرسال المال مباشرة إلى صنعاء، قد يمر عبر عدن ثم مأرب أو حضرموت أو تعز، ثم ينتقل عبر شبكة أخرى إلى مناطق مليشيا الحوثي. تعدد الحلقات يجعل التتبع أصعب.
5. استخدام منشآت صغيرة لتفتيت المخاطر
بدلاً من الاعتماد على شركة واحدة كبيرة، يمكن استخدام عدة منشآت فردية صغيرة، بحيث لا يظهر حجم التدفق الحقيقي في كيان واحد.
هذه المسارات لا تعني أن كل شركة صرافة متورطة، ولا يجوز تعميم الاتهام. لكنها تشرح لماذا أصبحت شركات الصرافة الفردية موضع حساسية عالية لدى الجهات الرقابية المحلية والدولية.
رابعاً: المؤشرات التي تجعل منشأة صرافة محل اشتباه
هناك علامات مهنية إذا ظهرت في منشأة صرافة، فإنها تستدعي تدقيقاً فورياً:
دلالته المحتملة المؤشر
وجود ممول خفي أو استخدام المنشأة كقناة تمرير تضخم مفاجئ في حجم الحوالات
احتمال وجود مستفيد حقيقي غير ظاهر عمليات كبيرة لا تتناسب مع رأس المال المعلن
احتمال تفتيت عمليات أو تمويه مستفيدين حوالات متكررة إلى مناطق مليشيا الحوثي بأسماء مختلفة
توسع خارج الرقابة الرسمية تعدد الوكلاء غير المصرح بهم
ضعف أو تعطيل متعمد لإجراءات “اعرف عميلك” غياب بيانات كافية عن العملاء
صعوبة تتبع مصدر الأموال الاعتماد على النقد بكثافة
خطر تمويل تجارة غير مشروعة أو تهريب تنفيذ حوالات لحساب تجار أو مستوردين دون مستندات
احتمال دخول أموال من مصادر مجهولة ارتباطات غير واضحة مع شبكات خارجية
الأخطر من ذلك هو أن بعض المنشآت قد تكون صغيرة في الترخيص، لكنها كبيرة في الحركة الفعلية. وهذا التناقض بين “الحجم القانوني” و“الحجم المالي” هو أول ما يلفت نظر أي جهة امتثال جادة.
خامساً: تحركات البنك المركزي في عدن… بداية ضبط لا نهاية المشكلة
البنك المركزي اليمني في عدن اتخذ خلال 2024 و2025 سلسلة إجراءات لضبط القطاع المالي، منها قرار نقل المراكز الرئيسية للبنوك إلى عدن، ووقف التعامل مع عدد من البنوك، وتنظيم التحويلات، وحظر التعامل مع الكيانات والمحافظ غير المرخصة، وفرض الشبكة الموحدة للتحويلات الداخلية.
كما أعلن البنك المركزي عن إيقاف أو إلغاء تراخيص عدد من شركات ومنشآت الصرافة بسبب مخالفات. ففي يوليو 2025، أوردت وكالة سبأ أن البنك المركزي في عدن ألغى تراخيص 13 شركة ومنشأة صرافة بسبب مخالفة اللوائح المنظمة لنشاط الصرافة. كما نشرت تقارير صحفية أن هذه الإجراءات جاءت ضمن حملة أوسع على شركات الصرافة المخالفة.
هذه الإجراءات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. فإغلاق منشأة أو تعليق ترخيصها يعالج النتيجة، لا الشبكة. المطلوب هو معرفة: أين ذهبت أموالها؟ من كان يستخدمها؟ هل لها وكلاء غير معلنين؟ هل انتقلت العمليات إلى منشأة أخرى؟ هل المالك الحقيقي ما زال يعمل من خلف واجهة جديدة؟
من دون هذا النوع من التحقيق المالي، يتحول الإغلاق الإداري إلى إجراء مؤقت، بينما تبقى الشبكة قادرة على تغيير الاسم واللافتة والاستمرار.
سادساً: الخطر الدولي… من مخالفة محلية إلى عقوبة خارجية
القطاع المالي اليمني لم يعد يُراقب محلياً فقط. العقوبات الأميركية على بنك اليمن والكويت وبنك اليمن الدولي أظهرت أن واشنطن مستعدة لاستهداف مؤسسات يمنية إذا اعتبرت أنها تمنح مليشيا الحوثي منفذاً إلى النظام المالي أو تساعد في غسل الأموال أو الالتفاف على العقوبات.
وهنا يجب أن تنتبه شركات الصرافة إلى نقطة خطيرة: العقوبات لا تصيب الكيان المعاقب وحده. قد تمتد آثارها إلى:
- تجميد أرصدة أو تعطيل تعاملات خارجية.
- قطع العلاقة مع بنوك محلية أو مراسلين خارجيين.
- رفض التحويلات المرتبطة بالمنشأة.
- إدراج مالكين أو مديرين أو واجهات تجارية.
- عزلة مالية حتى قبل صدور عقوبة رسمية، بسبب خوف البنوك الأجنبية من المخاطر.
وهذا يعني أن منشأة صرافة فردية في مدينة يمنية قد تتحول، إذا دخلت في مسار مشبوه، إلى سبب لعزل شبكة كاملة من التعاملات، وربما إضرار بمواطنين وتجار لا علاقة لهم بالمخالفة.
سابعاً: أين يكمن الخلل الأكبر؟
الخلل لا يكمن في وجود شركات صرافة كثيرة فقط، بل في غياب الفصل الواضح بين ثلاثة أنواع من الكيانات:
- شركات ملتزمة تؤدي خدمة ضرورية للمواطنين.
- منشآت مخالفة إدارياً أو فنياً لكنها غير مرتبطة بتمويل محظور.
- واجهات خطيرة تُستخدم لنقل أموال مشبوهة أو تمويل شبكات مرتبطة بمليشيا الحوثي أو بالتهريب.
المشكلة أن ضعف الشفافية يجعل الأنواع الثلاثة تختلط في نظر السوق والرأي العام. فإذا أُغلقت منشأة بسبب مخالفة عادية، قد تُتهم بتمويل مليشيا الحوثي. وإذا وُجدت منشأة خطيرة، قد تختبئ وسط قطاع واسع من الصرافين العاديين.
لذلك، فإن إصلاح القطاع يحتاج إلى دقة لا إلى حملات عشوائية. الاتهام بلا دليل يظلم، والتراخي بلا رقابة يفتح باباً خطيراً.
ثامناً: ما المطلوب عملياً؟
1. سجل وطني للملاك المستفيدين
لا يكفي أن يعرف البنك المركزي اسم صاحب الرخصة. يجب أن يعرف المالك الحقيقي، والممول، والشركاء، والوكلاء، وأي طرف يستفيد من أرباح المنشأة أو يديرها فعلياً.
2. تصنيف شركات الصرافة حسب المخاطر
ليست كل المنشآت في مستوى واحد. يجب تصنيفها إلى منخفضة ومتوسطة وعالية المخاطر، بناءً على حجم العمليات، مناطق النشاط، نوع العملاء، مصادر السيولة، والارتباطات الخارجية.
3. منع التوسع العشوائي للمنشآت الفردية
المنشآت الفردية عالية الحركة يجب أن تُلزم بالتحول إلى كيانات مؤسسية أكثر شفافية، مع إدارة امتثال، وحسابات مدققة، ونظام داخلي واضح.
4. ربط جميع الحوالات بنظام موحد قابل للتتبع
أي حوالة خارج النظام الموحد يجب أن تعد مخالفة جسيمة، خصوصاً إذا كانت بين مناطق ذات حساسية مالية أو أمنية.
5. تدقيق خاص للحوالات العابرة إلى مناطق مليشيا الحوثي
ليس المطلوب منع حوالات المواطنين، فهذا سيضر الناس. المطلوب معرفة الأنماط غير الطبيعية: تكرار المستفيدين، تضخم المبالغ، تجزئة الحوالات، واستعمال أسماء متعددة.
6. نشر بيانات رقابية مختصرة
على البنك المركزي أن ينشر، كل فترة، تصنيفاً عاماً للمخالفات: كم مخالفة تتعلق بسعر الصرف؟ كم مخالفة تتعلق بعدم معرفة العميل؟ كم مخالفة تتعلق بحوالات غير مرخصة؟ هذا يمنع الشائعات ويزيد الثقة.
7. حماية القطاع الملتزم
التشدد يجب ألا يتحول إلى عقاب جماعي. شركات الصرافة الملتزمة تحتاج إلى مسار واضح يحميها من الاشتباه العام، ويمنحها فرصة لتصحيح الأخطاء الفنية قبل العقوبات القاسية.
خاتمة: الصرافة ليست هامشاً… إنها قلب المعركة المالية
الخطر القادم من شركات الصرافة، وخصوصاً الفردية، لا يتمثل فقط في مخالفة سعر صرف أو حوالة غير موثقة. الخطر الحقيقي أن تتحول هذه المنشآت إلى جهاز دوران مالي موازٍ، ينقل الأموال بين مناطق السيطرة، ويموّه المستفيدين، ويمنح مليشيا الحوثي أو شبكات التهريب قدرة على الوصول إلى السيولة بعيداً عن أعين البنوك والرقابة الدولية.
لكن الحل ليس في شيطنة قطاع الصرافة كله. فهذا القطاع يؤدي خدمة حيوية لملايين اليمنيين. الحل في الفرز الصارم: حماية الملتزمين، كشف الواجهات، تجفيف القنوات غير المرخصة، وإجبار المنشآت الفردية عالية المخاطر على الخروج من الظل إلى بنية مؤسسية شفافة.
الخلاصة المهنية الواضحة:
شركات الصرافة الفردية هي الحلقة الأضعف والأخطر في المنظومة المالية اليمنية. وإذا لم تُضبط بالملكية المستفيدة، والتتبع الإلكتروني، والتدقيق الميداني، والربط الصارم بشبكات مرخصة، فقد تتحول إلى الطريق الخلفي الذي تعبر منه الأموال إلى مناطق مليشيا الحوثي، حتى لو أُغلقت الأبواب الرسمية أمام البنوك.
في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد