2026-05-10
طائرة إماراتية غامضة تهبط في عدن.. سجلاتها تكشف رحلات إلى إسرائيل وارتباطها بتهريب الزُبيدي

تتحرك الإمارات في اليمن والقرن الإفريقي وفق استراتيجية مركبة لا تقوم فقط على السيطرة على الموانئ أو دعم تشكيلات عسكرية محلية، بل على إنتاج مرجعية سياسية بديلة تقول ضمنيًا: إن الدولة الشرعية فشلت، وإن تحرير صنعاء تعثر، وإن البديل العملي هو دعم نماذج محلية “منضبطة” قادرة على فرض الأمن وإدارة الموانئ ومنع التهريب.
هذه هي السردية الأخطر:
ليست شرعية الدولة، بل كفاءة القوة.
ليست وحدة البلد، بل القدرة على الضبط.
ليست المؤسسة الدستورية، بل النموذج الأمني الناجح.
أولًا: صومالي لاند… النموذج الجاهز للتسويق
في صومالي لاند، وجدت الإمارات نموذجًا مثاليًا لهذه الفكرة: كيان غير معترف به دوليًا، لكنه يقدم نفسه باعتباره أكثر استقرارًا من الدولة الأم في مقديشو. لذلك لم يكن اهتمام أبوظبي بميناء بربرة اهتمامًا اقتصاديًا مجردًا، بل كان استثمارًا في نموذج سياسي يقول: “الكيان المستقر، ولو كان خارج الاعتراف الدولي، أفضل من الدولة الفاشلة”. وقد أكدت موانئ دبي استمرار عملياتها في بربرة رغم إعلان الصومال إلغاء اتفاقيات مع الإمارات واتهامها بالمساس بالسيادة الصومالية.
هذه هي النقطة المركزية: الإمارات لا تحتاج دائمًا إلى الاعتراف الدولي الكامل في البداية؛ يكفيها أن تصنع واقعًا اقتصاديًا وأمنيًا مستقرًا، ثم يتحول هذا الواقع لاحقًا إلى ورقة سياسية.
ثانيًا: الساحل الغربي… محاولة يمنية لإنتاج “نموذج نجاح”
في الساحل الغربي اليمني، تبدو الفكرة مشابهة وإن لم تكن نسخة مطابقة. فالمطلوب ليس إعلان انفصال، بل صناعة منطقة تبدو أكثر انتظامًا من مناطق الشرعية: قوات بلا أسماء وهمية، ضباط يحصلون على امتيازات، ضبط أمني، خطاب عن مكافحة التهريب، وواجهة مؤسسية توحي بأن هناك جيشًا حقيقيًا لا يشبه الفوضى القائمة في بقية الجبهات.
هنا تصبح المقارنة جزءًا من المعركة السياسية:
طارق صالح يُقدَّم بوصفه “النموذج المنضبط”، والشرعية تُقدَّم بوصفها “النموذج الفاشل”.
الساحل الغربي يُقدَّم بوصفه “منطقة ضبط”، ومناطق الحكومة تُقدَّم بوصفها “مناطق عجز وفساد وتشتت”.
وهذا الاستخدام سياسي أكثر منه قانوني؛ لأن السؤال القانوني الحقيقي هو: هل هذه القوات والمؤسسات مرتبطة فعليًا بوزارتي الدفاع والداخلية وبمؤسسات الدولة؟ أم أنها بنية موازية تعمل تحت غطاء عام اسمه “مقاومة الحوثي”؟
ثالثًا: “الأمن ومكافحة التهريب” كخطاب تبرير
إعادة الترويج لفكرة ضبط التهريب من باب المندب ليست تفصيلًا عابرًا. إنها جزء من خطاب موجه للخارج قبل الداخل. فالرسالة تقول للقوى الدولية:
نحن لسنا مليشيا، نحن قوة قادرة على حماية الملاحة، وضبط السلاح، ومراقبة باب المندب.
وهنا تصبح “مسرحيات الضبط الأمني” — إن صح التعبير — جزءًا من صناعة الشرعية الوظيفية. أي أن القوة المحلية لا تحصل على شرعيتها من الدستور، بل من قدرتها على تقديم خدمة أمنية مطلوبة دوليًا: حماية الممرات، ضبط التهريب، ومواجهة الفوضى.
رابعًا: صمت الحوثيين… السؤال الأكثر حساسية
ما يثير التساؤل سياسيًا هو مستوى الهدوء الحوثي تجاه هذه المنطقة مقارنة بأهميتها الاستراتيجية. فالساحل الغربي وباب المندب ليسا هامشًا عسكريًا، بل منطقة يفترض أن تكون في قلب الصراع.
لذلك يصبح السؤال مشروعًا:
لماذا لا تُستهدف هذه المنطقة بالقدر المتوقع؟
ولماذا تبدو محصنة حتى على مستوى التهديد؟
وهل هناك حسابات غير معلنة، أو تقاطعات مصالح، أو ترتيبات تجعل بقاء هذا النموذج مفيدًا لأكثر من طرف؟
لا يمكن الجزم بوجود “صفقة” دون دليل مباشر، لكن يمكن سياسيًا القول إن الصمت الحوثي يخدم سردية تسويق الساحل الغربي كنموذج نجاح؛ لأنه يمنح هذه المنطقة استقرارًا نسبيًا يسمح ببناء صورة مختلفة عن بقية الجبهات.
خامسًا: فشل الشرعية وفشل تحرير صنعاء كرافعة إماراتية
الإمارات تراهن على معادلة شديدة الخطورة:
- جنوبًا: إظهار الشرعية كسلطة عاجزة عن إدارة مناطقها أو استعادة السيطرة.
- شمالًا: إظهار مشروع استعادة صنعاء كمعركة مؤجلة بلا أفق.
- وفي الوسط: تقديم القوى المدعومة إماراتيًا كنماذج عملية قادرة على فرض الأمن والإدارة.
بهذا المعنى، لا تحتاج الإمارات إلى إعلان إسقاط الشرعية؛ يكفيها أن تجعل الشرعية تبدو غير قابلة للحياة. ولا تحتاج إلى إعلان فشل معركة صنعاء؛ يكفيها أن تستثمر في طول أمد الفشل حتى يصبح البديل المحلي المسلح أكثر قبولًا من الدولة نفسها.
سادسًا: حضرموت والمهرة… عندما اصطدم المشروع بالسعودية
ما حدث في حضرموت والمهرة كشف حدود هذا المشروع. فقد رأت السعودية أن تمدد القوى المدعومة إماراتيًا نحو شرق اليمن لم يعد مجرد نفوذ في عدن أو الساحل، بل أصبح تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وحدودها الجنوبية والشرقية. وقد حذرت قيادة التحالف من التحركات العسكرية في حضرموت، ودعت إلى الانسحاب ونقل السيطرة على المعسكرات إلى السلطات المحلية، في سياق تصعيد واضح مع المجلس الانتقالي المدعوم إماراتيًا.
هنا ظهر الفرق الجوهري بين الرؤيتين:
السعودية تريد يمنًا مستقرًا لا يتحول إلى خاصرة مفتوحة على حدودها.
الإمارات تريد مناطق نفوذ محلية تمنحها أوراقًا بحرية وسياسية ولو على حساب الدولة المركزية.
سابعًا: البحر الأحمر… الهدف النهائي
كل هذه المسارات تلتقي في نقطة واحدة: البحر الأحمر وضفتا باب المندب.
صومالي لاند تمنح الإمارات الضفة الإفريقية.
الساحل الغربي يمنحها الضفة اليمنية.
الجزر والموانئ تمنحها نقاط تحكم ومراقبة.
والقوى المحلية تمنحها نفوذًا دون كلفة الاحتلال المباشر.
لذلك فالمسألة ليست طارق صالح وحده، ولا صومالي لاند وحدها، ولا ميناء بربرة وحده. إنها هندسة نفوذ تمتد من القرن الإفريقي إلى جنوب غرب اليمن، وتتعامل مع باب المندب باعتباره عقدة السيطرة الكبرى.
الخاتمة السياسية
في المحصلة، تعمل الإمارات على إعادة تموضع نفوذها في البحر الأحمر عبر سردية “الاستقرار مقابل الفشل”: فشل الشرعية في إدارة مناطقها، وفشل تحرير صنعاء، وفشل الدولة المركزية في تقديم نموذج آمن، مقابل قوى محلية مدعومة إماراتيًا تُقدَّم باعتبارها أكثر قدرة على الضبط والإدارة وحماية الممرات.
لكن جوهر المشروع لا يقف عند اليمن؛ بل يتصل بضفتي باب المندب وبمستقبل النفوذ في البحر الأحمر. ومن هذه الزاوية، فإن نجاح الإمارات في تثبيت نفوذها في صومالي لاند والساحل الغربي والجزر والموانئ لا يعني فقط مكسبًا إماراتيًا، بل يعني — في الحسابات الاستراتيجية — تحجيمًا كبيرًا للدور السعودي، وانتزاعًا تدريجيًا لمركز الثقل من الرياض في واحد من أخطر الممرات البحرية المتصلة مباشرة بأمنها القومي.
في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد