نرفض المساس بأمن المملكة.. لكن هل تخدم سياستها استقرار اليمن
2025-02-09 02:49:45

في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية وحقوقية. فبينما تُختزل الأزمة في ظاهرها كصراع مسلح، يرى مراقبون أنها تحولت تدريجياً إلى عملية تمس الإنسان ذاته، تبدأ من تضييق سبل العيش ولا تنتهي عند التأثير على الوعي وتوجيهه.
“تجويع الكبار وتفخيخ الصغار”.. كيف أعادت الميليشيا تشكيل المجتمع من الداخل؟
منذ أواخر عام 2016، دخلت شريحة واسعة من الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين مرحلة غير مسبوقة من التدهور المعيشي، عقب توقف صرف المرتبات وتراجع مصادر الدخل الأساسية. موظفون كانوا يعتمدون على رواتب شهرية مستقرة وجدوا أنفسهم خارج دائرة الأمان الاقتصادي، في ظل التزامات متزايدة تشمل التعليم والغذاء والرعاية الصحية، ما عمّق حالة العجز لدى آلاف الأسر.
وتشير إفادات ناشطين إلى أن المليشيا عملت خلال السنوات الماضية على إعادة توجيه الموارد الاقتصادية عبر السيطرة على الإيرادات العامة، بما في ذلك الضرائب والجمارك وقطاعات الاتصالات، ما منحها قدرة واسعة على إدارة المشهد المعيشي في مناطق سيطرتها.
المراكز الصيفية.. بين التعليم والتوظيف السياسي
في هذا السياق، تبرز المراكز الصيفية كأحد الملفات المثيرة للجدل، وسط اتهامات باستخدامها خارج إطارها التعليمي. ويقول الدكتور بندر الخدري، أستاذ أصول التربية بجامعة إقليم سبأ، إن هذه البرامج في أصلها أنشطة تعليمية تكميلية، غير أن الإشكالية تظهر عند توظيفها خارج سياقها التربوي الطبيعي.
ويضيف أن ما يجري يرتبط بمسارين متوازيين؛ الأول إعادة صياغة بعض المفاهيم داخل المناهج، والثاني إنشاء برامج موازية تهدف إلى التأثير على وعي الطلاب وتوجيهه، مشيراً إلى أن مصطلح “إعادة تشكيل الوعي” يثير تساؤلات حول طبيعة المحتوى ومدى انسجامه مع الهوية الوطنية والثقافية.
تحذيرات تربوية من تأثير طويل المدى
من جانبه، يحذر مدير الإعلام التربوي في مأرب عبد الله العطار من خطورة “توجيه العقول”، مشيراً إلى أن التأثيرات الفكرية على الأطفال قد تمتد لسنوات طويلة وتنعكس على تكوينهم وسلوكهم الاجتماعي. ويؤكد أن التعامل مع هذا الملف يتطلب وعياً مجتمعياً أكبر وتوفير بدائل تربوية تحصّن النشء من أي استقطاب.
الإطار القانوني.. حماية الطفل محل جدل
على الصعيد القانوني، يرى مختصون أن أي أنشطة تستهدف توجيه الأطفال فكرياً خارج الأطر التعليمية تثير إشكاليات تتعلق بحقوق الطفل المكفولة محلياً ودولياً. ويؤكد المحامي يحيى النهاري أن التشريعات اليمنية والاتفاقيات الدولية تنص على حماية الأطفال من الاستغلال، بما في ذلك الاستغلال الفكري، ما يستوجب رقابة صارمة على هذه البرامج.
الاقتصاد كمدخل للتأثير
تشير إفادات ناشطين إلى أن المليشيا عملت على إعادة توجيه الموارد الاقتصادية من خلال السيطرة على الإيرادات العامة، بما فيها الضرائب والجمارك وقطاعات الاتصالات، ما منحها قدرة كبيرة على التأثير في الحياة اليومية للسكان.
في المقابل، تراجع دور الفاعلين التقليديين من تجار ومبادرات مجتمعية نتيجة الضغوط الاقتصادية والبيئة غير المستقرة.
هذا التحول جعل من “المال” أداة مركزية في إدارة العلاقة مع المجتمع، حيث لم يعد مجرد وسيلة معيشية، بل أصبح مدخلاً للتأثير في القرارات الفردية، خصوصاً لدى الأسر محدودة الدخل.
المراكز الصيفية.. بين التعليم والتوجيه
في هذا المشهد، تبرز المراكز الصيفية كواحدة من أبرز الظواهر المثيرة للجدل. وبحسب شهادات ميدانية، فإن التحاق الأطفال بهذه المراكز لا يتم دائماً بدافع تعليمي، بل يرتبط في كثير من الأحيان بعوامل اقتصادية، في ظل تقديم حوافز مالية للأسر، قد تصل إلى نحو 100 ألف ريال (بالعملة القديمة).
المجتمع بين القلق والاضطرار
في الأوساط المجتمعية، تتباين المواقف، لكن القلق يظل القاسم المشترك. عدد من أولياء الأمور عبّروا عن مخاوفهم من تأثير هذه المراكز على أبنائهم، فيما أشار آخرون إلى صعوبة اتخاذ قرار الرفض في ظل الأوضاع الاقتصادية.
أحد الآباء لخّص المشهد بقوله: “نحن أمام خيارات محدودة… والقرار ليس سهلاً كما يبدو”
خلاصة التحقيق
تكشف المعطيات التي رصدها هذا التحقيق أن ما يجري في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي يتجاوز كونه نشاطاً موسمياً، ليعكس تداخلاً معقداً بين الاقتصاد والتعليم والتأثير الفكري.
وبينما تستمر الأزمة الاقتصادية في الضغط على الأسر، تظل قضية حماية الأطفال والحفاظ على التوازن التعليمي والفكري واحدة من أبرز التحديات التي تواجه المجتمع.
ويبقى السؤال مفتوحاً: كيف يمكن استعادة بيئة تعليمية آمنة في ظل هذه الظروف المعقدة؟
ويرى مراقبون أن هذا الواقع خلق حالة من “الاختيار المحدود”، حيث تجد بعض الأسر نفسها أمام معادلة صعبة بين الاحتياجات المعيشية والمخاوف المرتبطة بطبيعة هذه المراكز.
يبقى الطفل اليمني في قلب معادلة شديدة التعقيد، تتداخل فيها الأوضاع الاقتصادية مع التحولات التعليمية والفكرية. ومع استمرار المراكز الصيفية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي ، تتزايد المخاوف من تضييق مساحات التفكير الحر أمام الأجيال الجديدة، في ظل واقع يطرح تساؤلات مفتوحة حول مستقبل التعليم والوعي في السنوات المقبلة.
منذ أكثر من ثلاث سنوات، تختفي الناشطة الحقوقية اليمنية فاطمة العرولي خلف جدران الاحتجاز الحوثي الإرهابي، بينما يكبر طفلان بعيداً عن والدتهما. قضية لم تعد مجرد ملف فردي، بل تحوّلت – وفق حقوقيين وصحفيين وقانونيين – مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد