الشوق إلى لقاء الله بين الرجاء والعمل

2026-03-09 03:20:11 أخبار اليوم - متابعات

   

كثيرًا ما ينشغل الإنسان في حياته اليومية بالسعي وراء أمور قد تضرّه أو لا تعود عليه بالنفع الحقيقي. يبذل جهده ووقته في طلب ما يظنه سعادة، بينما يغفل عن الحقيقة الكبرى: أن الخير كله بيد الله، وأن الرجوع إليه هو الطريق الأصدق للطمأنينة والنجاة. وفي زحام الدنيا وما فيها من تطلعات وأحلام زائلة، يركض كثير من الناس خلف سراب، بينما يختار آخرون الطريق الذي يقود إلى رضوان الله ولقائه.

الشوق إلى الله بين المؤمن والكافر

المؤمن الذي يرجو لقاء الله يعيش حياته بقلب مطمئن، مليء باليقين والثقة بوعد الله. فهو يرى في كل لحظة من حياته فرصة للتقرب إلى خالقه، ويعلم أن نهاية الطريق هي لقاء كريم مع رب رحيم. يقول الله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [العنكبوت: 5].

هذا الرجاء يمنح المؤمن أملاً دائمًا، ويجعله ينظر إلى الحياة نظرة أعمق من مجرد متاع عابر.

أما الذين لا يرجون لقاء الله، فقد انشغلت قلوبهم بالدنيا، فلم يروا في الموت إلا نهاية مظلمة. وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: 21].

هؤلاء غفلت قلوبهم عن الحقيقة الكبرى، فلم يستعدوا ليوم اللقاء.

رجاء لقاء الله عند الصالحين

كان الأنبياء والصالحون أشد الناس شوقًا إلى لقاء الله، لأنهم عرفوا ربهم حق المعرفة. وقد بيّن النبي ﷺ أن المؤمن حين يُبشَّر برحمة الله ورضوانه يحب لقاءه. قالت عائشة رضي الله عنها إن رسول الله ﷺ قال: "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه" (متفق عليه).

وهذا الرجاء ليس مجرد شعور عابر، بل يظهر في حياة المؤمن من خلال أعماله الصالحة واجتهاده في الطاعة، وثقته بوعد الله في الآخرة.

الرجاء بين العمل والتوبة

بيّن الإمام ابن القيم أن الرجاء الحقيقي لا يكون بالأمنيات وحدها، بل لا بد أن يصاحبه العمل الصالح. فقال:

"الرجاء لا يصح إلا مع العمل".

فالرجاء هو أن يتطلع الإنسان إلى رحمة الله وهو يعمل بطاعته، ويبتعد عن معصيته. كما أن التائب يرجو مغفرة الله بعدما أدرك تقصيره، فيجمع بين الأمل في الرحمة والعمل على إصلاح النفس.

النبي ﷺ نموذج في الرجاء

كان رسول الله ﷺ أصدق الناس رجاءً لله وشوقًا إلى لقائه. ومن دعائه العظيم: "اللهم إني أسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة" (رواه مسلم).

وعندما خُيّر بين البقاء في الدنيا أو لقاء ربه، اختار النبي ﷺ الرفيق الأعلى، شوقًا إلى لقاء الله.

كيف يرجو المؤمن لقاء ربه؟

رجاء لقاء الله ليس أمنية تُقال باللسان، بل هو طريق من الطاعة والإخلاص والعمل الصالح. فالمؤمن يسعى إلى مرضاة الله بصدق، ويتوب من ذنوبه، ويجاهد نفسه على الاستقامة.

قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110].

فهذه الآية تؤكد أن الرجاء الحقيقي يتجسد في العمل الصالح والنية الصادقة.

يبقى الرجاء في لقاء الله من أعظم الدوافع التي تدفع المؤمن نحو الطاعة والاستقامة. فهو يملأ القلب بالطمأنينة، ويمنح الإنسان قوة لمواجهة الحياة بثقة وأمل. ومن عرف أن لقاء الله حق، وأن رحمته واسعة، عاش حياته ساعيًا إلى رضاه، مطمئن القلب، ثابت الخطى.

                 

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
حرب الموانئ: الصراع الصامت بين الرياض ودبي.. من يملك مفاتيح التجارة في الشرق الأوسط؟

لم يعد التنافس بين السعودية والإمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد سباق تجاري تقليدي، بل تحوّل – وفق توصيف تقارير وتحليلات غربية حديثة – إلى صراع استراتيجي صامت لإعادة رسم خريطة التجارة في الشرق الأوسط مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد