18 رمضان.. حين غاب سيف خالد وانتصر حِلم الحسن وتوحّدت الأندلس

2026-03-08 04:23:01 أخبار اليوم - متابعات

   

يُعد الثامن عشر من شهر رمضان أحد الأيام التي حفلت بمحطات تاريخية بارزة في تاريخ الأمة الإسلامية والعالم، حيث شهد هذا اليوم أحداثًا تركت آثارًا عميقة في مجالات القيادة والسياسة والعلم والصراع الحضاري. ففيه بايع المسلمون الحسن بن علي بالخلافة، وفيه رحل القائد الفذ خالد بن الوليد، كما شهد تحولات كبرى في المغرب والأندلس، إلى جانب أحداث مؤثرة في التاريخ الحديث.

مبايعة الحسن بن علي بالخلافة

بعد استشهاد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واجهت الأمة الإسلامية فراغًا قياديًا في مرحلة دقيقة من تاريخها. وفي 18 رمضان سنة 40 هـ / 661م بايع أهل الكوفة الحسن بن علي رضي الله عنهما بالخلافة، وكان قيس بن سعد بن عبادة أول من تقدم لمبايعته.

دامت خلافة الحسن نحو ستة أشهر، أظهر خلالها حكمة سياسية كبيرة عندما قرر التنازل عن الخلافة لمعاوية بن أبي سفيان حقنًا لدماء المسلمين، فيما عُرف تاريخيًا بـ "عام الجماعة". وقد تحقق بذلك ما أخبر به النبي ﷺ حين قال: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين».

ويرى جمهور كبير من علماء أهل السنة والمؤرخين أن الحسن بن علي هو الخليفة الراشد الخامس، استنادًا إلى حديث النبي ﷺ: «الخلافة في أمتي ثلاثون سنة ثم ملك بعد ذلك».

فمدة خلافة الخلفاء الأربعة بلغت قرابة 29 سنة وستة أشهر، ومع إضافة ستة أشهر من خلافة الحسن اكتملت الثلاثون سنة التي ذكرها الحديث.

رحيل "سيف الله المسلول"

في هذا اليوم أيضًا، سنة 21 هـ / 642م، توفي القائد العظيم خالد بن الوليد رضي الله عنه في مدينة حمص. وقد اشتهر خالد بلقب "سيف الله المسلول" الذي لقبه به النبي ﷺ بعد معركة مؤتة.

خاض خالد بن الوليد أكثر من مائة معركة في تاريخ الفتوحات الإسلامية في العراق والشام، ولم يُهزم في أي منها، وأسهم في وضع أسس التكتيكات العسكرية الإسلامية في الفتوحات الكبرى.

وعند وفاته قال كلمته الشهيرة التي خلّدها التاريخ:

"لقد شهدت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة رمح، وها أنا ذا أموت على فراشي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء."

الإمام الزهري وابن يونس.. العلم في خدمة الحضارة

شهد هذا اليوم كذلك رحيل عدد من أعلام العلم، منهم:

الإمام محمد بن مسلم الزهري المتوفى سنة 124 هـ / 742م، أحد كبار علماء الحديث ومن أوائل من دوّنوا السنة النبوية. وقد عُرف بحرصه الشديد على حفظ الحديث ونقله، حتى عُدّ من حراس السنة النبوية في بدايات التدوين.

كما توفي في 18 رمضان سنة 398 هـ / 1008م العالم الفلكي المصري ابن يونس، صاحب كتاب "الزيج الحاكمي" الذي رصد فيه حركة الكواكب بدقة كبيرة، ويُنسب إليه استخدام البندول (الرقاص) في الدراسات الفلكية، مما مهد لاحقًا لتطور علم قياس الزمن والساعات.

توحيد الأندلس على يد المرابطين

في 18 رمضان سنة 484 هـ / 1091م تمكن قائد المرابطين يوسف بن تاشفين من إنهاء عصر ملوك الطوائف في الأندلس وتوحيدها تحت سلطة واحدة، بعدما استنجد به أمراؤها لمواجهة التوسع القشتالي.

جاء هذا التحول بعد الانتصار الكبير للمرابطين في معركة الزلاقة. وبعد أن لاحظ يوسف بن تاشفين استمرار الانقسامات بين حكام الأندلس وتحالف بعضهم مع الممالك المسيحية، استشار علماء عصره – ومنهم الإمام الغزالي – فأفتوا بضرورة عزلهم حمايةً للأندلس.

وبهذا التوحيد تحولت الأندلس من إمارات متناحرة إلى دولة موحدة مرتبطة بمراكش، مما ساهم في إطالة عمر الوجود الإسلامي في الأندلس لقرون لاحقة.

نهاية المرابطين وقيام الموحدين

ومن مفارقات التاريخ أن هذا اليوم نفسه شهد أيضًا نهاية دولة المرابطين، ففي 18 رمضان سنة 539 هـ / 1145م قُتل تاشفين بن علي بن يوسف بن تاشفين أثناء مطاردة مع جيش الموحدين بقيادة عبد المؤمن بن علي.

وقُتل تاشفين عندما سقط بفرسه من فوق جرف صخري أثناء حصار وهران، وهو ما أدى إلى انهيار معنويات المرابطين، ليتمكن الموحدون لاحقًا من دخول مراكش وبدء عهد الدولة الموحدية.

ولم يكن الصراع بين الدولتين عسكريًا فحسب، بل كان أيضًا صدامًا بين مدرستين فكريتين:

- مدرسة المرابطين ذات الطابع الفقهي التقليدي.

- ومدرسة الموحدين الإصلاحية التي أسسها ابن تومرت.

وشهد عهد الموحدين لاحقًا ازدهارًا فكريًا وفلسفيًا، في زمن أعلام كبار مثل ابن رشد وابن طفيل.

أحداث دامية في التاريخ الحديث

وفي العصر الحديث، شهد 18 رمضان سنة 1365 هـ / 1946م أحداثًا دامية في مدينة كالكوتا الهندية فيما عُرف بـ "يوم العمل المباشر"، حيث اندلعت أعمال عنف واسعة بين الهندوس والمسلمين أسفرت عن مقتل نحو سبعة آلاف شخص.

وقعت هذه الأحداث في ظل التوتر السياسي قبيل استقلال الهند، بعدما دعت الرابطة الإسلامية بقيادة محمد علي جناح إلى يوم احتجاج للمطالبة بدولة مستقلة للمسلمين.

لكن الاحتجاجات تحولت إلى حرب شوارع استمرت ثلاثة أيام، وأصبحت هذه الأحداث نقطة تحول حاسمة عجّلت بقرار تقسيم شبه القارة الهندية عام 1947 وقيام دولة باكستان.

يوم يعكس حركة التاريخ

وهكذا يظل الثامن عشر من رمضان شاهدًا على حركية التاريخ بين القيادة السياسية، والبطولات العسكرية، والإسهامات العلمية، والتحولات الكبرى في مصير الأمم. فهو يوم يجمع بين صفحات من المجد والاختبار، ليذكرنا بأن التاريخ لا يتوقف، بل يتشكل دائمًا بأفعال الرجال والعلماء وقادة الإصلاح.

                        

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
بين الجوع والوعي.. كيف تُعاد صياغة المجتمع في مناطق سيطرة الحوثيين؟

في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد