2026-04-06
متحف القرآن بمكة يعرض مصحفاً نادراً من القرن الـ13 الهجري بزخارف فنية دقيقة

يتميز القرآن الكريم عند حديثه عن كتاب العبد الذي يُعرض يوم القيامة بأنه يقرن ذلك بذكر كتاب الله الذي يتضمن الأحكام والتوجيهات في الدنيا؛ إذ إن هذا الكتاب هو الميزان الذي تُبنى عليه محاسبة العباد يوم القيامة، عملًا وتركًا. فكما تُعرض أعمال الإنسان في كتابه يوم الحساب، ينبغي له في الدنيا أن يعرض نفسه وأعماله على كتاب الله ليعرف مواضع التقصير ويصحح مساره قبل أن يقف بين يدي الله.
مفهوم المحاسبة لغةً واصطلاحًا
المحاسبة في اللغة تدور حول معنى العدّ والتقدير والمراجعة.
يقول ابن منظور: الحساب والمحاسبة: عدّ الشيء، وحَسَب الشيءَ يحسُبُه حَسْبًا وحسابًا، أي عده، وحاسبه من المحاسبة.
أما في الاصطلاح، فقد عرّفها الإمام الماوردي بقوله: أن يتصفح الإنسان في ليله ما صدر من أفعال نهاره؛ فإن كان محمودًا أمضاه وأتبعه بما يشبهه، وإن كان مذمومًا استدركه إن أمكن، وانتهى عن مثله في المستقبل.
فمحاسبة النفس تعني مراجعة الإنسان لأعماله وأقواله ونواياه، ليصلح ما فسد ويثبت على ما كان صالحًا.
أدلة القرآن على عرض الأعمال يوم القيامة
جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تبيّن أن أعمال العباد تُحصى وتُعرض يوم القيامة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.
قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} (الكهف: 49).
وقال سبحانه: {يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا}
(الإسراء: 71).
وهذه الآيات تذكّر الإنسان بأن كل عمل يقوم به مسجّل ومحفوظ وسيحاسب عليه.
منهج السلف في محاسبة النفس
كان السلف الصالح أشد الناس حرصًا على محاسبة أنفسهم، وكانوا يعرضون أعمالهم على كتاب الله باستمرار.
قال مالك بن دينار رحمه الله: رحم الله عبدًا قال لنفسه: ألست صاحبة كذا؟ ألست صاحبة كذا؟ ثم زمّها وألزمها كتاب الله فكان لها قائدًا.
وقال الحسن البصري رحمه الله: رحم الله امرأً عرض نفسه وعمله على كتاب الله، فإن وافق كتاب الله حمد الله وسأله المزيد، وإن خالف أعتب نفسه ورجع من قريب.
ومن المواقف المشهورة ما رُوي عن سليمان بن عبد الملك حين سأل العالم أبا حازم:
"ما لنا عند الله؟"
فقال له:
"اعرض عملك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عند الله."
ثم استدل بقوله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} (الانفطار: 13-14).
ولما سأله عن رحمة الله قال: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف: 56).
صور من محاسبة النفس عند السلف
1. تمثيل النفس في مصيرها الأخروي
قال إبراهيم التيمي رحمه الله: مثّلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها، ثم مثّلت نفسي في النار آكل من زقومها وأشرب من صديدها، فقلت لنفسي: أي نفس! ماذا تريدين؟ قالت: أريد أن أُرَدَّ إلى الدنيا فأعمل صالحًا. فقلت: فأنت في الأمنية فاعملي.
2. مقارنة الأعمال بأعمال أهل الجنة والنار
قال الأحنف بن قيس رحمه الله: عرضت عملي على أعمال أهل الجنة فوجدت قومًا قد باينونا بونًا بعيدًا… وعرضته على أعمال أهل النار فوجدتهم شرًّا منا… فوجدنا أنفسنا مع قوم: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا}.
3. اتهام النفس دون اليأس
كان بعض السلف يقول: ما عرضت نفسي على كتاب الله إلا اتهمتها بالنفاق.
وذلك من شدة خوفهم من التقصير مع استمرار الرجاء في رحمة الله.
نتائج عرض النفس على كتاب الله
عندما يعرض الإنسان نفسه على القرآن تظهر له ثلاث حالات:
1. أن يكون من أهل الخير: فيشكر الله ويطلب الثبات والزيادة.
2. أن يكتشف التقصير والذنوب: فيبادر بالتوبة والاستغفار.
3. أن يكون ممن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا: وهم جمهور المؤمنين، يرجون رحمة الله ويخافون عقابه.
ضوابط محاسبة النفس وفق المنهج القرآني
لكي تكون محاسبة النفس صحيحة ومثمرة، ينبغي مراعاة عدة أمور:
- الارتباط بالقرآن من خلال قراءة يومية وتدبر لمعانيه.
- معرفة صفات أهل الجنة وأهل النار الواردة في القرآن ومقارنتها بأحوال النفس.
- الصدق مع النفس في الاعتراف بالتقصير دون الوقوع في اليأس والقنوط.
إن محاسبة النفس من أعظم وسائل إصلاح القلب وتقويم السلوك، وهي طريق النجاة يوم القيامة. فكلما عرض الإنسان نفسه على كتاب الله في الدنيا، كان ذلك سببًا لتدارك التقصير قبل أن يُعرض كتابه بين يدي الله يوم الحساب.
لم يعد التنافس بين السعودية والإمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد سباق تجاري تقليدي، بل تحوّل – وفق توصيف تقارير وتحليلات غربية حديثة – إلى صراع استراتيجي صامت لإعادة رسم خريطة التجارة في الشرق الأوسط مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد