2026-04-14
تتويج أدبي وعلمي عربي.. إعلان الفائزين بجائزة الشيخ يوسف بن عيسى للكتاب

لم يكن الرحالة المغربي شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الله اللواتي الطنجي، المعروف تاريخياً باسم ابن بطوطة، مجرد مسافر يجوب البلدان طلباً للمعرفة أو المغامرة، بل كان شاهداً حياً على حضارة إسلامية امتدت عبر قارات متعددة في القرن الثامن الهجري. فقد تحولت رحلته التي بدأت عام 725 هـ من مدينة طنجة بنية أداء فريضة الحج إلى واحدة من أعظم الرحلات في تاريخ البشرية، استمرت نحو ثلاثة عقود وقطع خلالها ما يقارب 120 ألف كيلومتر في زمن كانت وسائل التنقل فيه تقتصر على الخيول والجمال والسفن الشراعية.
وقد دوّن ابن بطوطة مشاهداته في كتابه الشهير «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، الذي أملاه على الأديب الأندلسي ابن جزي بأمر من السلطان المريني أبي عنان. ولم يقتصر الكتاب على وصف المدن والطرق، بل تحول إلى وثيقة إنسانية واجتماعية فريدة تقدم صورة حية للمجتمعات الإسلامية وعاداتها وثقافاتها.
وكان شهر رمضان بالنسبة لابن بطوطة مناسبة خاصة لرصد ملامح الشعوب، إذ يرى أن هذا الشهر يكشف أخلاق المجتمعات وهويتها الثقافية، كما يبرز في الوقت ذاته وحدة الأمة الإسلامية رغم تنوع لغاتها وأعرافها. ومن خلال تنقلاته بين الحجاز وغرب إفريقيا، قدم الرحالة المغربي وصفاً دقيقاً لطقوس الصيام والعبادة قبل أكثر من سبعة قرون.
مكة المكرمة.. مدينة الضوء والروحانية
احتلت مكة المكرمة مكانة مركزية في رحلة ابن بطوطة، بوصفها القلب الروحي للعالم الإسلامي. وقد رصد فيها تفاصيل الحياة اليومية للعلماء والزهاد الذين أطلق عليهم اسم المجاورين، وهم الذين اختاروا الإقامة بجوار المسجد الحرام طلباً للعبادة والتقرب إلى الله.
ويصف الرحالة استقبال شهر رمضان في مكة وكأنه انفجار من النور؛ حيث تُجدد الحصر داخل المسجد الحرام وتُملأ القناديل بالزيت، فتغمر الأضواء أركان الحرم في مشهد روحاني يأسر القلوب.
ومن أبرز المشاهد التي استوقفت ابن بطوطة النظام المبتكر لتنبيه الناس بموعد السحور والإمساك. فقد كان المؤذن المعروف بـالمؤذن الزمزمي يؤدي مهمة التسحير من أعلى مئذنة في الركن الشرقي للحرم.
ونظراً للطبيعة الجبلية لمدينة مكة وتوزع البيوت في الشعاب، لم يكن الصوت وحده كافياً للوصول إلى الجميع، لذلك ابتكر أهل مكة وسيلة بصرية متقدمة لعصرها. إذ كان المؤذن يضع فانوسين كبيرين مضاءين فوق المئذنة طوال فترة السحور، ثم يقوم بإنزالهما عندما يقترب وقت الفجر، فيفهم الناس أن وقت الإمساك قد حان.
ويرى المؤرخون أن هذا النظام يعكس درجة عالية من التنظيم الاجتماعي والديني، حيث استخدمت الإشارات الضوئية لضمان دقة أداء الشعائر في مدينة تستقبل آلاف الزوار والمقيمين.
كما وصف ابن بطوطة أجواء صلاة التراويح في المسجد الحرام، حيث تتعدد حلقات الصلاة ويتقدم كل جماعة إمامها، فتتداخل أصوات القراءات القرآنية في مشهد روحاني مهيب يملأ أرجاء الحرم بالسكينة.
وكان أهل مكة يقضون معظم أوقاتهم في المسجد الحرام خلال رمضان، حيث يتشاركون الإفطار البسيط المكوَّن من التمر وماء زمزم، في صورة من التكافل الاجتماعي تجمع بين الغرباء والمجاورين وأهل البلد في أجواء أخوية واحدة.
مالي.. انضباط ديني وازدحام المساجد
وعندما واصل ابن بطوطة رحلته إلى مملكة مالي في غرب إفريقيا، اكتشف نموذجاً مختلفاً من الالتزام الديني. فقد وصف رمضان هناك بأنه موسم للانضباط الشديد والحرص الكبير على أداء الصلاة.
ومن أكثر المشاهد التي أثارت دهشته عادة حجز أماكن الصلاة في المساجد. فبسبب الإقبال الكبير على صلاة الجمعة والصلوات الرمضانية، كان بعض الوجهاء يرسلون خدمهم مبكراً إلى المسجد حاملين سجادات الصلاة ليقوموا بفرشها في الصفوف الأولى، وحجز المكان لأصحابها حتى يحضروا.
ويذكر ابن بطوطة أن من يتأخر عن إرسال سجادة لن يجد مكاناً في المسجد، لأن المصلين يملؤون أروقته قبل الأذان بساعات. ويعكس هذا السلوك، بحسب وصفه، ثقافة جماعية تتنافس في العبادة والتبكير للصلاة.
التعليم والقرآن أساس التربية
كما لاحظ الرحالة اهتمام أهل مالي الكبير بتعليم القرآن الكريم لأبنائهم. فقد كان الآباء يحرصون على تحفيظ أبنائهم القرآن منذ الصغر، معتبرين ذلك أساس التربية الدينية والاجتماعية.
وكانت هذه المدارس القرآنية تخرج أجيالاً من العلماء والقراء الذين يشاركون لاحقاً في رحلات الحج إلى مكة، حيث أذهل كثير منهم العلماء والحجاج بقدرتهم على الحفظ وإتقان علوم الدين.
كرم الموائد الإفريقية
لم تغب العادات الغذائية عن ملاحظات ابن بطوطة، فقد وصف بعض الأطعمة المحلية التي وجدها في مالي مثل الكسكسي وأطباق الحبوب المحلية التي تُحضَّر بطرق تقليدية.
ورغم أن هذه الأطعمة بدت له مختلفة عما اعتاد عليه في المغرب، إلا أنه أشاد بكرم أهل تلك البلاد، مؤكداً أنهم يحرصون على إطعام الغرباء والقوافل، خاصة خلال شهر رمضان، حيث يعتبرون ذلك جزءاً من القيم الدينية والاجتماعية.
وحدة الشعور رغم اختلاف العادات
تكمن القيمة الكبرى في روايات ابن بطوطة في قدرته على رصد الوحدة الروحية للأمة الإسلامية رغم اتساع رقعتها الجغرافية واختلاف ثقافاتها.
فبينما كانت مكة تحتفل بقدوم رمضان عبر الفوانيس المضيئة والزينة الروحية، كانت مالي تعبر عن روح الشهر من خلال الانضباط الديني والتنافس في الصلاة وتعليم القرآن.
ورغم اختلاف البيئات بين الحجاز الحار وغرب إفريقيا الجاف، فإن جوهر الشهر ظل واحداً: العبادة والتكافل الاجتماعي وإكرام الضيوف وإحياء المساجد.
وثيقة إنسانية عن عالم مضى
لم يكن ابن بطوطة مجرد جغرافي يسجل أسماء المدن والطرق، بل كان مراقباً اجتماعياً وثقافياً وثق تفاصيل حياة الناس اليومية. ولهذا يعد كتابه اليوم من أهم المصادر لفهم الحياة في العالم الإسلامي خلال القرن الثامن الهجري.
ومن خلال وصفه لفوانيس مكة، وازدحام مساجد مالي، وحرص الناس على تعليم أبنائهم القرآن، يقدم لنا ابن بطوطة صورة نابضة بالحياة عن رمضان في عالم إسلامي مترابط، يجمع بين تنوع العادات ووحدة الروح الإيمانية التي كانت تربط أطرافه من الحجاز إلى إفريقيا.
المصدر: الجزيرة
في أحياء صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، لا يقتصر المشهد على تداعيات الحرب العسكرية، بل يتشكل بصمت واقع أكثر عمقاً وتعقيداً يعيد رسم ملامح المجتمع من الداخل، وفق شهادات أكاديمية مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد