وثيقة من كومة نفايات تكشف لغزاً تاريخياً.. علماء الآثار يثبتون وجود الملك النوبي قشقش بعد قرون من الجدل

2026-03-07 03:29:43 أخبار اليوم - متابعات

 

في اكتشاف أثري لافت يعيد رسم جزء غامض من تاريخ السودان، عثر علماء آثار على وثيقة عربية تعود لعدة قرون داخل كومة نفايات في مدينة دنقلا العجوز شمالي السودان، لتقدم أول دليل مادي على وجود الملك النوبي قشقش، الذي ظل لقرون طويلة مجرد شخصية شبه أسطورية في الروايات التاريخية.

ويمثل هذا الاكتشاف تحولاً مهماً في فهم تاريخ النوبة خلال فترة انتقالية معقدة شهدت تحولات سياسية ودينية وثقافية عميقة، حيث انتقلت المنطقة تدريجياً من العالم المسيحي النوبي إلى الفضاء العربي الإسلامي.

من أسطورة شعبية إلى شخصية تاريخية

لطالما ورد اسم الملك قشقش في المصادر التاريخية بوصفه أحد أسلاف الحكام المحليين في دنقلا، لكن دون وجود دليل مادي يثبت أنه كان حاكماً حقيقياً. وقد شبه بعض الباحثين وضعه بشخصية الملك آرثر في التاريخ البريطاني، التي اختلطت فيها الأسطورة بالواقع.

وقد ورد ذكر قشقش في كتاب "الطبقات"، وهو مؤلف سوداني من القرن التاسع عشر جمع الروايات الشفوية المتعلقة برجال الدين والزعامات المحلية، حيث أشار إلى أنه كان أحد الحكام البارزين في المنطقة.

غير أن الوثيقة المكتشفة حديثاً تحمل أمراً ملكياً صادراً باسمه، ما يوفر للمرة الأولى دليلاً مادياً يؤكد أن هذا الحاكم كان شخصية تاريخية حقيقية وليست مجرد رواية متوارثة.

دنقلا العجوز.. عاصمة مملكة المقرة

حكم الملك قشقش منطقة دنقلا العجوز، الواقعة على الضفة الشرقية لنهر النيل، والتي كانت عاصمة مملكة المقرة المسيحية، إحدى أبرز الممالك النوبية في العصور الوسطى.

ومع منتصف القرن الرابع عشر دخلت دنقلا مرحلة تاريخية غامضة تعرف لدى الباحثين باسم "العصور المظلمة" في تاريخ السودان، حيث فقدت المدينة مكانتها كعاصمة للمملكة، وأصبحت المعلومات التاريخية عن المنطقة نادرة للغاية لعدة قرون.

وخلال هذه الفترة شهدت النوبة تحولات تدريجية عميقة، تمثلت في انتشار اللغة العربية وتوسع الإسلام على حساب اللغات والثقافات القديمة، وهي عملية تاريخية ما تزال كثير من تفاصيلها غير واضحة للمؤرخين.

وثيقة مكتوبة بالعربية العامية

الوثيقة المكتشفة مكتوبة بالعربية، لكنها ليست بالفصحى الكلاسيكية، بل بصيغة قريبة من اللغة العامية، وهو ما يعكس مرحلة انتقالية في الثقافة واللغة داخل البلاط النوبي.

ويتضمن النص أمراً إدارياً موجهاً من الملك قشقش إلى أحد رجاله يدعى الخضر بن شهدت، يتعلق بتبادل سلع وممتلكات بين عدد من الأشخاص. وجاء في نص الرسالة:

"من الملك قشقش إلى الخضر بن شهدت: إذا جاءك محمد العربي فخذ منه ثلاثة أردوية وأعطه شاة وولدها، وخذ من عبد الجابر الشاة وولدها وأعطهما لصاحبهما بلا تأخير. لا تتوان! هذا كتابي إليك. كتبه حماد كاتبه. والسلام."

ويظهر من مضمون الرسالة أنها تتعلق بإدارة معاملات اقتصادية بسيطة تشمل منسوجات وقطعان ماشية، وهو ما يعكس طبيعة الإدارة اليومية في البلاط الملكي خلال تلك المرحلة.

اكتشاف داخل مقر الحكم

عثر علماء الآثار على الوثيقة داخل طبقة من النفايات الأثرية في أحد مباني قلعة دنقلا العجوز، في منطقة تعرف باسم (1.10). وتشير الروايات الشفوية المحلية إلى أن هذا المبنى كان مقر إقامة الحكام، ويطلق عليه السكان اسم "بيت المك"، أي بيت الملك.

ويقود فريق البحث عالم الآثار توماش بارانسكي من جامعة وارسو، الذي أوضح أن الوثيقة لا تحمل تاريخاً محدداً، لكن الأدلة التاريخية تسمح بتقدير زمنها بدقة نسبية.

فوفقاً للمصادر التاريخية، كان حسن بن قشقش – وهو أحد أبناء الملك – قد زوّج ابنته للزعيم الديني المعروف محمد بن عيسى سوار الذهب، الذي كان ناشطاً في دنقلا العجوز خلال أوائل إلى منتصف القرن السابع عشر. وهذا ما يرجح أن حكم قشقش كان في أواخر القرن السادس عشر أو مطلع القرن السابع عشر.

دلائل على حياة النخبة الحاكمة

إلى جانب الوثيقة، عثر فريق التنقيب على مجموعة من القطع الأثرية التي تعكس مستوى الرفاهية الذي كانت تعيشه النخبة الحاكمة في دنقلا آنذاك.

ومن بين المكتشفات منسوجات حريرية وقطنية فاخرة، وأحذية جلدية، ومقبض خنجر مصنوع من العاج أو قرن وحيد القرن، وخاتم ذهبي، إضافة إلى رصاصات بنادق، وهو ما يدل على وجود طبقة حاكمة ذات نفوذ سياسي واقتصادي.

اكتشاف يعيد قراءة تاريخ النوبة

يرى الباحثون أن هذا الاكتشاف يمثل اختراقاً علمياً مهماً في دراسة تاريخ السودان الوسيط، إذ يقدم أول دليل مادي على وجود حاكم طالما اعتُبر شخصية أسطورية.

كما تسلط الوثيقة الضوء على مرحلة مفصلية من تاريخ النوبة، حين بدأت العربية تتحول تدريجياً إلى لغة الإدارة والحكم داخل البلاط الملكي، في وقت كانت فيه المنطقة تشهد تغيرات دينية وثقافية عميقة.

وبذلك لا يكشف هذا الاكتشاف عن شخصية تاريخية فحسب، بل يفتح أيضاً نافذة جديدة لفهم التحولات التي شكلت ملامح السودان الحديث عبر قرون من التفاعل بين الحضارات والثقافات.

 

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
حرب الموانئ: الصراع الصامت بين الرياض ودبي.. من يملك مفاتيح التجارة في الشرق الأوسط؟

لم يعد التنافس بين السعودية والإمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد سباق تجاري تقليدي، بل تحوّل – وفق توصيف تقارير وتحليلات غربية حديثة – إلى صراع استراتيجي صامت لإعادة رسم خريطة التجارة في الشرق الأوسط مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد