ألمانيا.. نقوش عمرها 40 ألف عام تعيد كتابة تاريخ الكتابة

2026-03-04 00:57:23 أخبار اليوم - متابعات

   

كشفت دراسة علمية حديثة عن أن نقوشًا حجرية وعاجية عُثر عليها في جنوب غرب ألمانيا، ويعود تاريخها إلى أكثر من 40 ألف عام، قد لا تكون مجرد زخارف كما كان يُعتقد سابقًا، بل تمثل محاولات مبكرة لتسجيل المعلومات، ما يدفع بتاريخ أنظمة شبيهة بالكتابة إلى عصور أقدم بكثير من ظهور الكتابة المسمارية.

نقوش ما قبل التاريخ.. رسالة مخفية في الصخر والعاج

في منطقة جبال الألب السوابية، عثر علماء الآثار على تماثيل صغيرة وأدوات تعود إلى العصر الحجري القديم، تحمل علامات متكررة تشمل خطوطًا وشقوقًا ونقاطًا وصلبانًا. ومن أبرز المكتشفات تمثال ماموث منحوت من ناب فيل، منقوش بصفوف من الصلبان والنقاط، ولوح عاجي يصور مخلوقًا يجمع بين الإنسان والأسد مزينًا بخطوط نقطية، إضافة إلى تمثال "رجل الأسد" الشهير الذي تظهر على ذراعه شقوق متساوية بعناية.

الدراسة، التي أجراها البروفيسور كريستيان بينتز من جامعة سارلاند، بالتعاون مع عالمة الآثار إيفا دوتكيويتش من متحف برلين، شملت تحليل أكثر من 3000 علامة منقوشة على 260 قطعة أثرية. وأظهرت النتائج أن هذه العلامات لم تكن عشوائية، بل منظمة ومتكررة بنمط مقصود.

ويؤكد بينتز أن هذه النقوش تمثل "سلفًا مبكرًا للكتابة"، مشيرًا إلى أن البشر استخدموها على الأرجح لتخزين المعلومات أو نقلها. كما أن صغر حجم القطع الأثرية، وملاءمتها لراحة اليد، يدل على أنها كانت تُحمل باستمرار، ما يعزز فرضية أهميتها الوظيفية.

تشابه لافت مع الكتابة المسمارية

المفاجأة الكبرى جاءت عند مقارنة هذه النقوش بالكتابة المسمارية البدائية، أقدم نظام كتابة معروف ظهر في بلاد ما بين النهرين نحو 3000 قبل الميلاد. فقد أظهرت التحليلات أن النقوش الحجرية القديمة تتشابه مع المسمارية من حيث مستوى التعقيد وكثافة المعلومات.

وباستخدام أدوات من اللغويات الكمية، مثل النمذجة الإحصائية وخوارزميات التعلم الآلي، قام الباحثون برقمنة تسلسلات العلامات وتحليل معدل تكرارها وإمكانية التنبؤ بالعلامة التالية. وهي نفس الأساليب المستخدمة لدراسة اللغات الحديثة.

ويقول بينتز إن النتائج أظهرت "بصمة إحصائية" مماثلة لتلك الموجودة في أنظمة الكتابة المبكرة، موضحًا أن معدل التكرار المرتفع وإمكانية توقع تسلسل العلامات يشيران إلى وجود نظام منظم لنقل المعلومات، وليس مجرد زخرفة فنية.

ماذا كان يسجل الإنسان القديم؟

رغم أن الباحثين لم يتمكنوا من تحديد طبيعة المعلومات التي كانت تُسجل، فإنهم يرجحون أن هذه العلامات ربما استُخدمت لتنظيم المجموعات الاجتماعية، أو لتوثيق أنشطة مرتبطة بالصيد والبقاء، أو لنقل معارف معينة داخل المجتمع.

وتشير دوتكيويتش إلى أن حمل هذه القطع الصغيرة بشكل دائم يشبه إلى حد بعيد استخدام الألواح الطينية في الحضارات اللاحقة، ما يعزز فرضية أنها كانت أدوات تواصل أو حفظ معلومات.

إعادة النظر في تطور الكتابة

تكمن أهمية الاكتشاف في أنه يغيّر الفكرة السائدة عن ظهور الكتابة. فبدلًا من اعتبارها ابتكارًا مفاجئًا قبل نحو 5 آلاف عام، تشير الأدلة إلى أن البشر كانوا يطورون أنظمة رمزية لتسجيل المعلومات منذ عشرات آلاف السنين.

وتوضح الدراسة أن الإنسان قبل 40 ألف عام كان يمتلك القدرات العقلية نفسها التي نملكها اليوم، لكن الفرق يكمن في تراكم المعرفة والخبرة عبر العصور.

ويختتم بينتز بالقول إن الكتابة ليست سوى مرحلة واحدة في سلسلة طويلة من أنظمة العلامات التي ابتكرها الإنسان لتشفير المعلومات، مشيرًا إلى أن المبدأ ذاته – القائم على التنبؤ بتسلسل الرموز – هو الأساس الذي تقوم عليه أنظمة الحوسبة الحديثة ونماذج الذكاء الاصطناعي.

الدراسة نُشرت في مجلة PNAS العلمية المرموقة، وتعد خطوة مهمة في فهم تطور قدرة الإنسان على تخزين المعلومات ومشاركتها، وهي القدرة التي مهّدت الطريق لاختراع الكتابة، ثم الحاسوب، وصولًا إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي المعاصرة.

              

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
حرب الموانئ: الصراع الصامت بين الرياض ودبي.. من يملك مفاتيح التجارة في الشرق الأوسط؟

لم يعد التنافس بين السعودية والإمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد سباق تجاري تقليدي، بل تحوّل – وفق توصيف تقارير وتحليلات غربية حديثة – إلى صراع استراتيجي صامت لإعادة رسم خريطة التجارة في الشرق الأوسط مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد