2026-03-03
العميد حميد القشيبي وسقوط عمران: محطة مفصلية أعادت رسم موازين الصراع في اليمن

في سياق نزاع مسلح طال أمده وألقى بظلاله الثقيلة على اليمنيين، تبرز محافظة الحديدة كإحدى أكثر الجبهات تعقيداً وتأثيراً في المشهدين العسكري والإنساني. فالموقع الاستراتيجي للمحافظة على ساحل البحر الأحمر، وما يمثله من أهمية جيوسياسية واقتصادية، جعلها ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح والصراعات، وأدى إلى عسكرة متصاعدة طالت تفاصيل الحياة اليومية، وقلّصت الحيز المدني إلى أدنى مستوياته.
خلال عام 2025، لم تعد الحديدة مجرد محافظة تعاني من تداعيات الحرب، بل تحولت – وفق ما يوثقه تقرير الشبكة اليمنية للحقوق والحريات – إلى بيئة مغلقة تتداخل فيها أدوات القمع مع البنية العسكرية، ويُعاد تشكيل الفضاء المدني فيها وفق منطق القوة.
التقرير الصادر تحت عنوان «الحديدة… دروع بشرية في حديقة الموت»، والذي يغطي الفترة من 1 يناير حتى 30 ديسمبر 2025، يقدم توثيقاً ميدانياً مفصلاً لانتهاكات واسعة النطاق، ويخلص إلى أن ما جرى لم يكن حوادث متفرقة، بل نمطاً ممنهجاً يعكس سياسة منظمة انتهجتها مليشيا الحوثي الإرهابية في إدارة المحافظة.
واقع متغير: من آثار حرب إلى سياسة إخضاع
يشير التقرير إلى أن طبيعة الانتهاكات خلال 2025 شهدت تحولاً نوعياً؛ إذ لم تعد مجرد نتائج جانبية للنزاع، بل اتخذت طابعاً منظماً يستهدف إخضاع المجتمع وإعادة تشكيله قسراً. وتنوعت هذه الانتهاكات بين القتل خارج نطاق القانون، والإخفاء القسري، والتعذيب، وزراعة الألغام، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، والتجنيد الإجباري – خصوصاً للأطفال – إلى جانب التدمير الممنهج للبنية التحتية والأعيان المدنية.
ويؤكد التقرير أن هذا النهج قام على التعامل مع كل من يعارض توجهات مليشيا الحوثي أو لا ينسجم مع مشروعها بوصفه خصماً مشروعاً، تُبرَّر بحقه إجراءات الاعتقال أو المصادرة أو حتى التصفية، في تجاوز واضح للضمانات الأساسية التي يكفلها القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.
نحو خمسة آلاف انتهاك موثق في عام واحد
بحسب الفريق الميداني للشبكة، تم توثيق (4868) انتهاكاً خلال عام 2025 في محافظة الحديدة. وشملت هذه الانتهاكات جرائم قتل خارج نطاق القانون، وإصابات جراء القصف والألغام، وحالات اختطاف وإخفاء قسري، وتعذيب وتصفية داخل أماكن الاحتجاز، إضافة إلى تهجير قسري ونهب ممتلكات عامة وخاصة.
ضحايا القتل والإصابة
وثق التقرير مقتل (262) مدنياً، بينهم (51) طفلاً و(37) امرأة، إلى جانب إصابة (225) مدنياً، بينهم (47) طفلاً و(40) امرأة، نتيجة القصف أو الاستهداف المباشر.
كما أسفرت الألغام الأرضية التي زرعتها مليشيا الحوثي عن مقتل (80) مدنياً، بينهم (19) طفلاً و(8) نساء، وإصابة (66) مدنياً، بينهم (14) طفلاً و(8) نساء، ما يعكس استمرار خطر هذه المخلفات القاتلة حتى في الفترات التي لا تشهد مواجهات مباشرة.
وسجل التقرير تعرض مديريات حيس والخوخة والتحيتا والدريهمي لقصف شبه يومي بقذائف الهاون والكاتيوشا والمدفعية، الأمر الذي أدى إلى حالة رعب دائم بين السكان، وشلل ملحوظ في الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية.
منظومة احتجاز خارج القانون
في ملف الاعتقال، وثق التقرير (2304) حالة اعتقال واختطاف خلال العام، بينها (274) حالة إخفاء قسري. كما سجل (38) حالة تعذيب مثبتة، و(9) حالات تصفية داخل السجون، و(11) حالة وفاة نتيجة الإهمال الطبي، إضافة إلى (7) حالات وفاة بسبب نوبات قلبية أثناء الاحتجاز.
ورصد الفريق إنشاء (72) سجناً سرياً مستحدثاً في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، في مؤشر على توسع منظومة الاحتجاز خارج الأطر القانونية والقضائية.
ولم تقتصر الاعتقالات على فئة بعينها، بل شملت معلمين وأكاديميين وموظفين حكوميين وطلاباً ونشطاء سياسيين وحقوقيين وإعلاميين، إضافة إلى أطفال ونساء، ما يعكس – بحسب التقرير – استهدافاً ممنهجاً للبنية الاجتماعية والتعليمية والسياسية في المحافظة.
عسكرة الأحياء وتفكيك البنية التحتية
يكشف التقرير عن تعمد تخريب البنية التحتية عبر حفر أكثر من 150 خندقاً بعمق يصل إلى عشرة أمتار في شوارع المدينة وخطوطها الرئيسية، إلى جانب تخريب شبكات المياه والصرف الصحي والكهرباء.
كما تم إدخال أسلحة ثقيلة إلى الأحياء السكنية، واعتلاء مبانٍ حكومية وسكنية لاستخدامها كمواقع عسكرية، وتخزين أسلحة فيها، ونشر قناصة فوق أسطح المباني، في انتهاك واضح لمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين.
وفي سياق متصل، وثق التقرير (21) حالة استخدام مدنيين دروعاً بشرية، ما يشكل خرقاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني.
وقد أدى هذا الواقع إلى نزوح (25,765) شخصاً، أي ما يعادل (4195) أسرة، بينهم (6421) طفلاً و(5944) امرأة، في ظل استمرار المخاطر حتى داخل مخيمات النزوح نتيجة القصف وغياب الخدمات الأساسية.
الأعيان المدنية في دائرة الاستهداف
سجل التقرير (1024) انتهاكاً طالت الأعيان المدنية، من بينها تضرر (842) منزلاً بين كلي وجزئي، فضلاً عن أضرار لحقت بمنشآت صناعية ومؤسسات أهلية ومحلات تجارية.
كما تم توثيق (1354) حالة مداهمة واقتحام منازل، و(131) حالة مصادرة أموال، و(23) حالة تفخيخ وتفجير منازل، و(9) حالات تفجير جسور عامة، إضافة إلى نهب (98) مركبة خاصة، و(64) انتهاكاً استهدف دور العبادة.
وأشار التقرير إلى استخدام ميناء الحديدة في تهريب الأسلحة والممنوعات، ما يعكس تصاعد عسكرة المحافظة ومحيط البحر الأحمر، وتحويل منشآت حيوية إلى أدوات في الصراع.
سياق إنساني يزداد هشاشة
في ظل عسكرة البحر الأحمر ومضيق باب المندب، يعيش سكان الحديدة حالة خوف دائم، مع استمرار تقييد حركة المدنيين ومنعهم من النزوح، وتعطيل وصول المنظمات الدولية، ونهب مقرات منظمات محلية واعتقال موظفيها.
كما يعاني الموظفون من انقطاع مرتباتهم منذ ستة أشهر، في ظل تدهور اقتصادي حاد وارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي، ما يفاقم هشاشة الوضع الإنساني ويضاعف معاناة السكان.
خلاصة قانونية: نمط ممنهج لا حوادث معزولة
يخلص التقرير إلى أن محافظة الحديدة تحولت خلال عام 2025 إلى ساحة تُمارس فيها أنماط متعددة من الانتهاكات الجسيمة، على رأسها القتل خارج نطاق القانون، واستخدام المدنيين دروعاً بشرية، والإخفاء القسري، والتجويع والحصار، والتدمير الممنهج للأعيان المدنية.
وتؤكد الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن هذه الوقائع تعكس سياسة ممنهجة اتبعتها مليشيا الحوثي، وليست أحداثاً فردية معزولة، ما يفرض مسؤولية قانونية وأخلاقية على المجتمع الدولي للتحرك العاجل، وضمان المساءلة، وحماية المدنيين من استمرار هذه الممارسات.
ويُعد التقرير توثيقاً قانونياً وإنسانياً شاملاً، يشكل قاعدة بيانات قابلة للإحالة إلى الآليات القضائية الوطنية والدولية المختصة، تمهيداً لمساءلة المسؤولين عن هذه الجرائم.
التوصيات
أولاً: إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة
- الضغط على مليشيا الحوثي لوقف استخدام المدنيين دروعاً بشرية، وإدانة عسكرة الأحياء السكنية بشكل صريح.
- المطالبة بالإفراج الفوري عن كافة المعتقلين والمخفيين قسراً وتحميل المليشيا المسؤولية القانونية الكاملة.
- فرض عقوبات فردية موجهة على القيادات المتورطة في القتل خارج القضاء، والإخفاء القسري، وزراعة الألغام.
- دعم برامج نزع الألغام وإزالة مخلفات الحرب بشكل عاجل في مديريات الحديدة المتضررة.
ثانياً: إلى مجلس الأمن الدولي
- إدراج الانتهاكات الموثقة في الحديدة ضمن تقاريره الدورية الخاصة باليمن، والتعامل معها باعتبارها تهديداً مباشراً للسلم والأمن الإقليميين، خصوصاً في سياق عسكرة البحر الأحمر.
- اتخاذ تدابير عملية لحماية المدنيين وفقاً للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة عند الاقتضاء.
ثالثاً: إلى مجلس حقوق الإنسان والآليات الأممية
- إحالة جرائم القتل والإخفاء القسري واستخدام الدروع البشرية إلى المقررين الخاصين المعنيين بالإعدام خارج القضاء والتعذيب والاختفاء القسري.
- إدراج ملف الحديدة كبند مستقل في النقاشات الدورية حول اليمن.
- إنشاء قاعدة بيانات دولية للضحايا تحفظ حقوقهم وتدعم مسار العدالة الانتقالية.
رابعاً: إلى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً
- توثيق شامل للانتهاكات وفتح ملفات قضائية وطنية تمهيداً للمساءلة.
- تعزيز التنسيق مع المنظمات الحقوقية لتبادل المعلومات والأدلة.
- توفير الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي لأسر الضحايا.
- إدراج الحديدة ضمن أولويات برامج الإغاثة وإعادة الإعمار.
خامساً: إلى المنظمات الإنسانية الدولية
- تكثيف الوصول إلى المديريات المتضررة وضمان عدم عرقلة المساعدات.
- إنشاء برامج حماية خاصة للأطفال والنساء المتضررين.
- دعم برامج سبل العيش للنازحين للحد من الاستغلال والابتزاز.
سادساً: إلى وسائل الإعلام
- تسليط الضوء على الجرائم المرتكبة في الحديدة وعدم الاكتفاء بالتغطيات العسكرية.
- نقل صوت الضحايا وتعزيز الوعي بخطورة استخدام المدنيين دروعاً بشرية.
ويؤكد التقرير في ختامه أن استمرار الإفلات من العقاب يشجع على تكرار الانتهاكات ويعمّق معاناة المدنيين، مشدداً على أن حماية سكان الحديدة ليست خياراً سياسياً، بل التزام قانوني وأخلاقي تفرضه قواعد القانون الدولي.
فبين الأرقام والوقائع، تتشكل صورة محافظة أنهكها النزاع، وتحولت أحياؤها إلى خطوط تماس، وسكانها إلى رهائن واقع عسكري متصاعد. ويبقى السؤال معلقاً: إلى متى تستمر الحديدة ساحة مفتوحة للحرب على حساب أرواح المدنيين وكرامتهم؟
لم يعد التنافس بين السعودية والإمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد سباق تجاري تقليدي، بل تحوّل – وفق توصيف تقارير وتحليلات غربية حديثة – إلى صراع استراتيجي صامت لإعادة رسم خريطة التجارة في الشرق الأوسط مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد