استراتيجية الفوضى: الميدان الخفي للحوثيين.. كيف تحوّل القبائل إلى ميليشيات متصارعة؟

2026-02-04 02:56:49 أخبار اليوم - متابعات

   

كشفت الـ48 ساعة الماضية عن وجه آخر من وجوه الصراع المستمر في اليمن، حيث تحولت الساحة من مواجهات عسكرية مباشرة إلى حروب قبائلية مروعة داخل المناطق الخاضعة لمليشيا الحوثي الإرهابية. شهدت ثلاث محافظات رئيسية هي صنعاء وعمران والجوف اندلاع اشتباكات مسلحة طاحنة تسببت في سقوط عشرات القتلى والجرحى من المدنيين والمشايخ، وسط قرائن وأصابع اتهام تتجه صوب المليشيا باستخدام صراعات الدم والنار كأداة سياسية ممنهجة لفرض السيطرة.

رقعة الدم المتسعة.. تفاصيل الاشتباكات المتزامنة

انفجرت الأوضاع في أكثر من جبهة محلية في وقت متزامن بشكل لافت. في مديرية أرحب شمال العاصمة المختطفة صنعاء، تحول نزاع قبلي بين آل ظمبور وآل الهندوان إلى معركة مسلحة بالبنادق الرشاشة والأسلحة المتوسطة، أودت بحياة شيخين بارزين هما الشيخ شريان ظمبور والشيخ محمد باكر الهندوان، إلى جانب عدد غير محدد من الجرحى من كلا الطرفين، في مشهد يوضح تصاعد السخط الاجتماعي إلى مستوى الاقتتال المباشر.

وفي محافظة عمران، تحديداً بمديرية حرف سفيان، أُعلن عن مقتل المواطن "غمدان محسن بن نعيم" من قبائل البريهات في اشتباكات قبيلة متجددة.

أما محافظة الجوف فشهدت سلسلة حوادث دموية متلاحقة، كان أبرزها اغتيال الشيخ أحمد علي مبخوتان من قبائل الشولان برصاص مسلحين مجهولين، ومقتل حسن حميد العكيمي من آل الزواملة في هجوم يُعتقد أن منفذيه ينتمون لآل همدان، فضلاً عن حادثة مقتل عادل علامة المعافا برصاص أحد أقاربه، في مؤشر مريب على تآكل الأمن المجتمعي وانتشار ثقافة الحلول الفردية خارج نطاق العرف والقانون.

ولم تكن مديرية اليتمة الحدودية بمنأى عن هذا العنف، حيث اندلعت اشتباكات بين أبناء آل القرشي الأشرم وآخرين تابعين لـمحمد العصيمي بن حلوه. وفي منطقة الضمانة نفسها، استعرت مواجهات وُصفت "بالأعنف" بين قبيلتي آل جحوان وآل صقرة على خلفية نزاع تقليدي حول الأراضي وحفر آبار المياه، وهو صراع تُتهم قيادات حوثية محلية بالانحياز المسلح فيه لأحد الأطراف.

سياسة "فرق تسد" المنظمة

ما يلفت النظر في هذه الأحداث المتلاحقة ليس فقط حجم الخسائر البشرية، بل السياق السياسي الذي تندلع فيه.

واتهمت مصادر قبلية ومحلية قيادات في مليشيا الحوثي بالوقوف خلف تأجيج العديد من هذه الصراعات.

حيث تشير تقارير محلية من الجوف إلى انحياز مسلح من قبل عناصر حوثية لصالح طرف على آخر في نزاع الضمانة، مما حوّل نزاعاً محلّياً إلى مواجهة غير متكافئة.

الأمر الآخر هو اتهام المليشيا بتعطيل دور المؤسسة القضائية الرسمية الخاضعة لها، والمماطلة المتعمدة في الفصل في القضايا والنزاعات القبلية العالقة. هذا التعطيل يحرم الأطراف من منفذ سلمي للحل، ويترك الغضب يغلي حتى ينفجر عنفاً، وهو ما توفره المليشيا أحياناً بتسهيل وصول الأسلحة إلى الأطراف المتنازعة.

هذا النمط من التصعيد المتزامن في عدة محافظات يقوده محللون إلى استنتاج وجود استراتيجية ممنهجة تتبعها المليشيا، يمكن تسميتها "باستراتيجية إدارة الفوضى الخلاقة". حيث تعمل على إضعاف البنى الاجتماعية التقليدية المتماسكة، وخاصة القبائل الكبرى التي تشكل قوة ضغط اجتماعي وسياسي، عبر إشغالها بحروب داخلية وثأرية تستنزف مواردها البشرية والمادية وتشتت جهودها، مما يمهد الطريق لـمليشيا الحوثي لتعزيز قبضتها الأمنية والسياسية والاقتصادية على هذه المناطق دون مقاومة مجتمعية منظمة.

العواقب.. انهيار المجتمع وتكريس حالة الحرب الدائمة

لا تقتصر عواقب هذه السياسة على سقوط الضحايا فحسب، بل تمتد إلى تدمير النسيج الاجتماعي التاريخي في المناطق اليمنية، والذي حافظ على قدر من الاستقرار لعقود. تحويل الخلافات المحلية إلى معارك مسلحة يخلق دوامات من الثأر يصعب احتواؤها، ويدفع بالمجتمعات إلى الانكفاء على ذاتها والخوف من جارها، وهو بالضبط المناخ المثالي لسيطرة المليشيات. كما أن استنزاف طاقة المجتمع في صراعات جانبية يحرمه من القدرة على تشكيل قوة موحدة لمواجهة سياسات مليشيا الحوثي الاقتصادية القاسية، مثل فرض الجبايات والإتاوات وتجنيد الأطفال، مما يجعل السكان رهائن بلا حماية.

بات من الواضح أن مليشيا الحوثي، بعد عشر سنوات من الحرب، تدرك أن السيطرة الكاملة على المجتمع اليمني لا تتحقق بالسلاح وحده، بل بتفتيته من الداخل.

إن تحويل السهول والجبال إلى ساحات لصراعات قبلية مدبرة هو أداتها الجديدة الأكثر خبثاً، والتي تستهدف ذاكرة المجتمع وروابطه قبل أن تستهدف أراضيه. في هذا السياق، فإن كل رصاصة تنطلق في نزاع قبلي اليوم، قد تكون موجهة في حقيقتها لإسقاط آخر حصون التماسك الاجتماعي الذي يقاوم مشروع الهيمنة الشاملة، مما يضع مستقبل اليمن أمام تحدٍ وجودي يتجاوز مجرد الصراع على السلطة.

             

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
القبيلة اليمنية.. دولة عند الضرورة وشريك أصيل للجمهورية

في لحظة وطنية فارقة، أعادت القبيلة اليمنية تثبيت موقعها كفاعل مركزي في معركة الدفاع عن الدولة والجمهورية، ليس بوصفها بنية اجتماعية تقليدية، بل كقوة وطنية منظمة، حاضنة للمقاومة، وسندٍ فعلي لمؤسسات الدولة في مواجهة المش مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد