اعتداءات مسلحة على مقر الشموع في عدن.. المؤسسة تقدّم شكوى رسمية للنائب العام ضد ضباط إماراتيين والمجلس الانتقالي

2026-02-02 05:25:34 أخبار اليوم/ خاص

   

سلسلة اعتداءات منذ 2017 تنتهك حرية الصحافة وتهدد العاملين بالمؤسسة:

- اقتحام مسلح للمقر: اعتداء صارخ على حرمة المؤسسة

- إحراق المطابع وتدمير التجهيزات: انتهاك جسيم للحق الإعلامي

- نهب الممتلكات والأرشيف: سرقة منظمة تهدد استمرار العمل الصحفي

- تهديد واحتجاز الموظفين تعسفيًا: ترويع وانتهاك لحقوق الإنسان

- تعطيل حرية الصحافة والعمل الإعلامي المستقل: محاولة إسكات الأصوات المهنية

- تورط ضباط إماراتيين وقادة المجلس الانتقالي السابقين: استخدام السلطة لأهداف غير قانونية

- المطالبة بالتحقيق والمحاسبة وتعويض كامل للأضرار: استعادة الحقوق وإنصاف الضحايا

قدمت مؤسسة الشموع للصحافة والإعلام، ممثلة برئيس مجلس إدارتها الأستاذ سيف الحاضري، شكوى رسمية إلى مكتب النائب العام للجمهورية اليمنية ضد عدد من القيادات العسكرية والأمنية السابقة في عدن، بينهم ضباط إماراتيون وقادة المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، على خلفية سلسلة من الاعتداءات المسلحة والانتهاكات الخطيرة التي استهدفت المؤسسة وصحيفتها "أخبار اليوم"، شملت اقتحامات، إحراق المطابع، نهب الممتلكات، وتهديد الموظفين بالتصفية الجسدية، واستمرت منذ منتصف 2017 وحتى عام 2018، ما أثر بشكل مباشر على عمل الصحيفة المستقل.

نص الشكوى كامل لدى مكتب النائب العام:

الشاكــون:

مؤسسة الشموع للصحافة والإعلام – ويمثلها الأستاذ/ سيف محمد أحمد الحاضري (بصفته رئيس مجلس الإدارة).

الأستاذ/ سيف محمد أحمد الحاضري – بشخصه الطبيعي (المواطن اليمني، رئيس مؤسسة الشموع).

المشكوُّ بهم:

- العقيد أحمد “أبو ماجد” – إماراتي الجنسية (قائد قوات التحالف الإماراتي في عدن آنذاك).

- الضابط “أبو راشد” – إماراتي الجنسية (مسؤول في قوات التحالف الإماراتي في عدن).

- اللواء عيدروس قاسم الزبيدي بصفته المسؤول الأول والقائد الفعلي للقوات المحلية التي ارتكبت الاعتداءات محل الشكوى.

- اللواء شلال علي شائع – مدير أمن عدن السابق (إبان فترة الوقائع).

- اللواء صالح أحمد السيد – مدير أمن لحج السابق.

- العقيد وضاح عمر عبدالعزيز – قائد الحزام الأمني السابق في عدن.

- يسران المقطري – قائد وحدة مكافحة الإرهاب السابق في عدن.

- العميد منير محمود المشالي (أبو اليمامة) – قائد قوات الطوارئ بالحزام الأمني في عدن (متوفى).

الموضوع: شكوى ضد المذكورين أعلاه لقيامهم بالاعتداء على مؤسسة الشموع للصحافة والإعلام، واقتحام مقرها عدة مرات، وإحراق مطابعها، ونهب وإتلاف ممتلكاتها، واعتقال العاملين فيها وتهديدهم

معالي الدكتور القاضي/ قاهر مصطفى علي – النائب العام للجمهورية اليمنية المحترم

تحية الحق والعدل والإنصاف، وبعد...

نتقدم إلى معاليكم بهذه الشكوى القانونية ضد المشكو بهم المذكورين أعلاه، لقيامهم بسلسلة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة بحق مؤسسة الشموع للصحافة والإعلام وصحيفتها “أخبار اليوم” والعاملين فيها، ونوجز لمعاليكم وقائع الشكوى على النحو التالي:

أولاً: وقائع الشكوى (التسلسل الزمني للانتهاكات)

مصادرة مقر المؤسسة في صنعاء 2014: بتاريخ 21 سبتمبر 2014م، قامت ميليشيا الحوثي بالاعتداء على المقر الرئيسي لمؤسسة الشموع للصحافة والإعلام في العاصمة صنعاء، ومصادرة مبنى المؤسسة وتجهيزاتها بالكامل عقب اجتياحها لصنعاء. ترتب على ذلك إغلاق المؤسسة قسرًا في صنعاء ومصادرة أصولها الصحفية. على إثر ذلك اضطرت المؤسسة إلى نقل نشاطها إلى العاصمة المؤقتة عدن للاستمرار في أداء رسالتها الوطنية في الدفاع عن الجمهورية وكشف انتهاكات الميليشيات والانخراط في معركة الوطن ضد الانقلاب.

محاولة إخضاع المؤسسة بالقوة في عدن (منتصف 2017): عقب انتقال المؤسسة إلى عدن واستئناف إصدار صحيفة “أخبار اليوم”، تعرض مقر المؤسسة الكائن في المدينة الخضراء بعدن لمحاولة اقتحام عسكري واسع في منتصف عام 2017م. شاركت في الهجوم قوة مكوّنة من ستة أطقم مدرعة وآلية قتالية، يقودها قائد قوات الحزام الأمني آنذاك العميد منير اليافعي (أبو اليمامة). وادّعت تلك القوات وجود “ورش لتصنيع عبوات ناسفة وسيارات مفخخة” داخل مبنى الصحيفة كذريعة لاقتحامه. وقد قاومت المؤسسة هذه الضغوط، واعتبر هذا الهجوم بداية سلسلة الاعتداءات عليها.

التهديد المباشر من الضابط الإماراتي (أواخر 2017): لم تتوقف الضغوط عند الاقتحام العسكري؛ ففي أواخر عام 2017م تلقى الأستاذ سيف الحاضري اتصالًا هاتفيًا من الضابط الإماراتي أحمد “أبو ماجد” يطالبه فيه بشكل صريح بمغادرة عدن وإغلاق مؤسسة الشموع. جاء ذلك التهديد باللهجة الحازمة التي لا تخلو من الوعيد المبطن، بل كان بمثابة إنذار نهائي بأن بقاء المؤسسة في عدن سيقابله استخدام القوة لإخراجها. وقد ورد عن ممثل المؤسسة أن ذلك الضابط الإماراتي قال بالحرف: “سنقتحم كل بيت في عدن، وعليكم أن تتكيفوا مع ذلك” – في تهديد واضح وصريح باقتحام أي مكان تتواجد فيه المؤسسة أو الصحيفة.

تفجير استهدف مقر المؤسسة (نوفمبر 2017): في نوفمبر 2017م تعرض مبنى مقر مؤسسة الشموع وصحيفة “أخبار اليوم” – وكذلك منزل مدير عام المؤسسة الأستاذ سيف الحاضري الملاصق للمقر – لتفجير بعبوة ناسفة على أيدي مسلحين مجهولين. تسبب التفجير في أضرار مادية بالمبنى والمنازل المجاورة، وروّع الآمنين. وقد نجى الشاكون والعاملون من ذلك الاعتداء بأعجوبة، ليأتي التهديد الإماراتي اللاحق مؤكدًا أن ما حدث كان رسالة أولى، وأنه “في المرة القادمة لن تفلتوا”– في وعيد مباشر باستخدام أعنف إذا استمرت المؤسسة في عملها. وقد حررت المؤسسة بلاغًا حينها للجهات الأمنية، لكن دون جدوى.

الاقتحام المسلح وإحراق المطابع (1 مارس 2018): في فجر يوم 1/3/2018م حوالي الساعة الثالثة بعد منتصف الليل، تعرض مقر مؤسسة الشموع في عدن لاعتداء مسلح كبير هو الأخطر من نوعه. حيث أقدمت قوة أمنية تتبع قوات الحزام الأمني (المدعومة ماليًا وإداريًا من قيادة القوات الإماراتية في عدن) على اقتحام مبنى المؤسسة في المدينة الخضراء باستخدام أطقم عسكرية تابعة لإدارة أمن عدن. قامت مجموعة من المسلحين فور وصولهم باعتداء عنيف على موظفي وحراس المؤسسة، وأرغموا العاملين على الخروج تحت تهديد السلاح، ثم ساقوهم إلى الجدار الأمامي للمبنى واصطفوهم هناك تحت الحراسة والإرهاب بالسلاح. وقد صادرت تلك المجموعة هواتف الموظفين وهددتهم بالتصفية الجسدية إذا حاولوا المقاومة أو التحرك. وفي نفس الوقت، قامت مجموعة مسلحة أخرى من المقتحمين بإشعال حريق متعمد في مطابع المؤسسة من خلال رشها بمادة الديزل وإضرام النار فيها، مما أدى إلى احتراق المطابع بالكامل. كما امتد الحريق إلى أجزاء واسعة من مبنى المؤسسة وتم إحراق مرافق وأرشيف الصحيفة ومعظم محتويات المقر بتلك الطريقة الإجرامية. وتوثّق كاميرات المراقبة في المبنى هذه الأفعال الإجرامية بوضوح تام، حيث سجلت لحظات الاقتحام والإحراق المتعمد للمطابع.

اقتحامات واعتقالات ونهب في الأسابيع التالية (مارس 2018): لم تكتفِ القوات المعتدية بما ارتكبته في الأول من مارس؛ فعقب ذلك بنحو ثلاثة أسابيع، تحديدًا بتاريخ 23/3/2018م، هاجمت قوة أمنية وعسكرية أخرى مقر المؤسسة مجددًا. تكونت تلك القوة من ستة أطقم مسلحة بقيادة مدير أمن لحج آنذاك اللواء صالح السيد (المشكو به)، والذي كان يعمل بالتنسيق مع قوات الحزام الأمني. قامت هذه القوة باقتحام المبنى واعتقال جميع الموظفين المتواجدين فيه في ذلك الوقت. وأفاد أفراد القوة المقتحمة عند تعرفهم بأنفسهم أنهم يتبعون إدارة أمن لحج بقيادة صالح السيد الخاضعة لقوات الحزام الأمني (بإمرة المشكو به الأول). لم يقتصر الأمر على الاعتقالات، بل قامت تلك القوات بنهب ممتلكات المؤسسة الثمينة وأجهزتها بشكل منظم، بما في ذلك اقتحام منزل رئيس المؤسسة المجاور للمقر ونهب محتوياته الشخصية. كما استمر أفراد القوة باحتلال مقر المؤسسة لمدة أسبوع كامل ومنعوا أيًا من موظفيها من دخوله خلال تلك الفترة. وقد وثّقت كاميرات المراقبة أيضًا مشاهد النهب والتخريب التي طالت المقر خلال هذا الاقتحام الثاني.

احتجاز تعسفي للموظفين: خلال واقعة الاقتحام الثانية في 23 مارس 2018، اعتُقل 7 من موظفي المؤسسة وتم اقتيادهم تحت تهديد السلاح إلى معسكر اللواء الخامس التابع لإدارة أمن لحج وقوات الحزام الأمني. وهناك احتُجزوا تعسفيًا دون أي مسوغ قانوني ولعدة أيام. ولم يُفرج عنهم إلا لاحقًا بضمانات حضورية بعد ضغوط ووساطات. وقد أدلى شهود عيان وأقارب للمعتقلين بشهاداتهم حول مشاهدتهم لعمليات الاعتقال تلك وظروف الاحتجاز المهينة التي تعرض لها الموظفون السبعة. ويشكل هذا الاعتقال غير القانوني انتهاكًا صارخًا لحقوقهم الدستورية والإنسانية.

تعطيل متعمد للعدالة بعد الواقعة: عقب جريمة الحرق الأولى (1 مارس 2018)، تقدمت المؤسسة بشكوى رسمية عاجلة إلى إدارة أمن عدن ضد الاعتداء الذي تعرضت له. إلا أننا فوجئنا بتصريح صادم من مسؤولي الأمن هناك بأن الاقتحام والحرق تمّا بأوامر عليا صادرة من القائد الإماراتي (المشكو به الأول) إلى مدير أمن عدن شلال شائع، والذي قام بدوره بتسهيل مرور قوة الحزام الأمني إلى داخل المنطقة الخضراء لتنفيذ الهجوم. وقد ذكر أفراد النقطة الأمنية المناوبون وقت الاقتحام – ولدينا أسماؤهم – أن أوامر صدرت لهم بالسماح بمرور الأطقم المهاجمة بناءً على “توجيهات عليا” من قيادة التحالف. وهذا ما يثبت تورط القيادات العليا المذكورة (المشكو بهم الإماراتيين ومعهم شلال شائع) في التخطيط والإذن بتنفيذ الجريمة.

وكذلك تقدمنا بعد حادثة الاقتحام الثانية والاعتقالات في مارس 2018 بشكوى رسمية إلى نائب رئيس الوزراء وزير الداخلية آنذاك (أحمد الميسري) طالبنا فيها بإيقاف تلك الانتهاكات ومحاسبة المتورطين وفق القانون. لكن – وللأسف الشديد – لم يتم اتخاذ أي إجراء حيال شكوانا تلك. لقد تقاعست الجهات الرسمية المختصة حينها عن القيام بواجبها القانوني في حمايتنا وإنصافنا، إما تواطؤًا أو عجزًا أمام نفوذ سلطات الأمر الواقع المدعومة إماراتيًا في عدن خلال تلك الفترة. وهكذا تُركت المؤسسة وحقوقها دون حماية أو تحقيق عدلي في تلك الجرائم طوال السنوات الماضية.

(ملاحظة): يجدر الإشارة إلى أن جميع الوقائع المذكورة أعلاه موثقة بالأدلة المادية؛ سواء عبر تسجيلات كاميرات المراقبة داخل مقر المؤسسة أثناء لحظات الاقتحام والحرق والنهب، أو عبر شهادات شهود العيان الذين عاصروا الأحداث، فضلًا عن المستندات والتقارير الصحفية التي وثقت تلك الانتهاكات في حينها. وستُبرز المؤسسة هذه الأدلة تباعًا لدى طلبها في سياق إجراءات التحقيق والمحاكمة.

ثانياً: الأسس والأسانيد القانونية للشكوى

انتهاك حقوق وحريات مكفولة شرعًا ودستورًا: إن الأفعال الإجرامية المبينة أعلاه تشكّل اعتداءً صارخًا على الحقوق والحريات الأساسية المكفولة للأفراد والمؤسسات بموجب الشريعة الإسلامية والدستور اليمني والقوانين النافذة. فقد حرّمت الشريعة الإسلامية الاعتداء على أموال الناس وحرياتهم وحرّمت ترويع الآمنين أو مصادرة ممتلكاتهم بغير حق. ويكفينا الاستشهاد بقوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقًا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون﴾ – صدق الله العظيم. وكذلك قول الرسول الكريم ﷺ: «كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه» – رواه مسلم.

وقد كفل دستور الجمهورية اليمنية هذه الحقوق تحصينًا لها من أي انتهاك؛ حيث تنص المادة (7/ج) من الدستور صراحة على: “حماية واحترام الملكية الخاصة فلا تُمسّ إلا للضرورة ولمصلحة عامة وبتعويض عادل وفقًا للقانون”. وهذا تأكيد دستوري على حرمة أموال المواطنين وممتلكاتهم، وأنه لا يجوز مصادرتها أو الإضرار بها إلا في حدود ضيقة يجيزها القانون ومع تعويض عادل. كما تقضي المادة (48/أ) من الدستور بأن: “تكفل الدولة للمواطنين حريتهم الشخصية وتحافظ على كرامتهم وأمنهم. ويحدد القانون الحالات التي يجوز فيها تقييد حرية أي مواطن، ولا يجوز تقييد حرية أحد إلا بحكم من محكمة مختصة...”. ومن الواضح أن ما تعرض له موظفو المؤسسة من احتجاز وتهديد بالسلاح هو انتهاك صريح لنص هذه المادة الدستورية، كونه تم دون أي مسوغ قانوني أو حكم قضائي.

وفوق ذلك، فإن الجهة المعتدى عليها (مؤسسة الشموع وصحيفتها) هي مؤسسة صحفية وإعلامية؛ وقد أولى الدستور اليمني والقوانين الخاصة حماية إضافية لحرية الصحافة والرأي. فقد نصّت المادة (42) من الدستور على أن: *“لكل مواطن حق في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتكفل الدولة حرية الفكر والإعراب عن الرأي بالقول والكتابة والتصوير في حدود القانون”. كما أكّد قانون الصحافة والمطبوعات هذه المبادئ، حيث جاء في المادة (3) منه أن: “حرية الفكر والمعرفة والصحافة والتعبير والاتصال والحصول على المعلومات حقٌ للمواطنين وهي مكفولة لجميع المواطنين”. وبناءً على هذه النصوص، فإن الاعتداء على مؤسسة صحفية وإحراق مطابعها وإسكات صوتها يشكل جريمة جسيمة بحق حرية الصحافة المكفولة دستورياً وقانونياً، ويُعد انتهاكًا لحق المواطن في الإعلام والمعرفة.

الجرائم المرتكبة وفق قانون العقوبات: إن الأفعال المادية التي ارتكبها المشكو بهم (من اقتحام بالقوة المسلحة، واعتداء على الأشخاص، وحجز للحرية، وإحراق وتخريب المباني والمطابع، ونهب الممتلكات) كلها تشكل جرائم معاقب عليها صراحة في قانون الجرائم والعقوبات اليمني (القانون رقم 12 لسنة 1994). ونشير إلى أهم النصوص القانونية ذات الصلة فيما يلي:

جريمة الحرق العمدي للممتلكات: تنص المادة (137) من قانون العقوبات على عقوبة بالسجن لمدة تصل إلى عشر سنوات لكل من أشعل حريقًا عمدًا أو تسبب بانفجار في مال ثابت أو منقول مملوك للغير. وعليه فإن إضرام النار عمدًا في مطابع مؤسسة صحفية ومبناها يمثل هذه الجريمة بكامل أركانها المشددة. ويتحمل مرتكبوها المباشرون وكذلك المحرّضون والمخططون نفس العقوبة وفق القانون. حيث بيّنت المادة (24) من القانون ذاته أن المساهم في أي جريمة يُعاقب بعقوبة الفاعل الأصلي نفسها. وبالتالي فإن كل المشكو بهم الذين حرّضوا أو أمروا أو موّلوا أو سهّلوا ارتكاب جريمة الحرق العمدي أو اشتركوا فيها بأي شكل يُعدّون فاعلين أصليين ويوقع عليهم ذات الجزاء المقرر قانونًا، تمامًا كمن نفّذها بيده.

جريمة الاقتحام واعتداء حرمة المسكن والتفتيش دون مسوغ: إن دخول قوات المشكو بهم عنوة إلى مقر المؤسسة (وهو مكان عمل خاص ومجهزاته تعتبر في حكم المسكن الخاص بالصحيفة)، وتفتيش مكاتبها وأروقتها دون إذن قضائي أو مسوغ قانوني، يُعد جريمة انتهاك حرمة مسكن وتفتيش غير قانوني. وقد نصّت المادة (166) من قانون العقوبات على تجريم انتهاك حرمة المنازل، كما جرّمت المادة (169) من القانون نفسه فعل قيام موظف عام بتفتيش شخص أو مسكن بدون مسوغ قانوني. وجاء نص المادة (169) صريحًا: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات كل موظف عام أجرى تفتيش شخص أو سكنه أو محله بغير رضاه أو في غير الأحوال أو دون مراعاة الشروط التي ينص عليها القانون مع علمه بذلك.”. ولا شك أن اقتحام مقر مؤسسة الشموع وتفتيشه عنوة دون أي إجراء قانوني أو إذن نيابي يندرج تحت هذا النص، لاسيما وأن من قام به أفراد أمن يُعدّون في حكم الموظف العام.

جريمة الحجز غير القانوني للحرية (الاختطاف والاعتقال دون وجه حق): إن قيام المشكو بهم بالقبض على موظفي المؤسسة وحجز حريتهم لأيام دون مسوغ قانوني أو أمر ضبط قضائي يُعتبر جريمة جسيمة. فقد نصّت المادة (246) من قانون الجرائم والعقوبات على أن: “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات من قبض على شخص أو حجزه أو حرمه من حريته بأي وسيلة بغير وجه قانوني” ، وتشدد العقوبة إلى خمس سنوات إذا وقع الفعل من موظف عام أو شخص مسلح أو وقع على عدة أشخاص. وهذه المادة تنطبق تمامًا على واقعة اعتقال موظفي المؤسسة السبعة واحتجازهم في معسكر أمني دون أي إجراء قانوني، خاصة وأن من قام بها أفراد قوة مسلحة وبصفته موظفين في أجهزة أمنية.

جريمة النهب والإتلاف للممتلكات: إن قيام المشكو بهم ومسلحيهم بنهب ممتلكات مؤسسة الشموع الثمينة (أجهزة حواسيب، مطابع، مواد صحفية، سيارات...) وكذلك إتلاف وتخريب مقرها وتجهيزاتها، يُشكل جريمة معاقب عليها بنص المادة (321) من قانون الجرائم والعقوبات التي تقضي بالحبس حتى سنة أو الغرامة لكل من هدم أو خرّب أو أتلف مالًا ثابتًا أو منقولًا غير مملوك له. ويُلاحظ أن المشكو بهم لم يكتفوا بإحراق المطابع، بل قاموا أيضًا بسرقة ونهب ما تبقى من أجهزة وآلات وأثاث، مما يجعلهم مسؤولين كذلك عن جرائم السرقة والإتلاف معًا. ولا يخفى أن استخدام السلاح والقوة في ارتكاب هذه الأفعال قد يرقى بها إلى جرائم الحرابة والسلب بالقوة المشددة في القانون اليمني.

جرائم أخرى: بالإضافة لما سبق، فإن التهديد بالتصفية الجسدية الذي وُجّه للموظفين خلال الاقتحام، والترويع وإثارة الفزع بين السكان والاعتداء على سلامة المجتمع واستقراره، كلها أفعال تجرّمها عدة مواد في قانون العقوبات (منها المواد 136، 257 المتعلقة بالتهديد وترويع الآمنين...). كما أن تشكيل جماعة مسلّحة خارج إطار الدولة للاعتداء على حقوق المواطنين وممتلكاتهم يُعدّ جريمة بذاتها (يعاقب عليها ضمنًا في باب الجرائم الماسة بأمن الدولة الداخلي). وحيث إن بعض المشكو بهم (كعيدروس الزبيدي وغيره) قد شكّلوا كيانات عسكرية وأمنية موازية وقادوا مليشيا مسلحة نفذت هذه الاعتداءات، فإنهم يُسألون أيضًا عن جريمة تشكيل تنظيم مسلح غير مشروع وارتكاب الجرائم من خلاله. وهذا الاتهام الأخير تُحقّق فيه حاليًا لجنة خاصة شكلتها النيابة العامة مؤخرًا – كما سنشير أدناه.

مسؤولية المشكو بهم جميعًا بالتساوي: يستفاد من جميع ما سبق تعدد الجرائم المرتكبة وتعدد مرتكبيها ومساهميها. ونؤكد هنا أن المشكو بهم الوارد ذكرهم في هذه الشكوى يتحملون المسؤولية الجنائية بالتساوي وبدون أي استثناء؛ سواء من باشر الجريمة ميدانيًا أو من حرّض وسهّل وشارك بالتخطيط أو أصدر الأمر. فالقانون اليمني – كما أسلفنا – لا يفرّق في العقوبة بين الفاعل المباشر والشريك أو المحرّض في الجرائم التعزيرية. وبناءً عليه:

- يتحمل المشكو بهما الأول والثاني (الضابطان الإماراتيان أبو ماجد وأبو راشد) مسؤولية مباشرة باعتبارهما قائدي وموجهي القوات التي نفذت الاقتحامات. فالثابت بالأدلة وشهادات الشهود أنهما مَن أصدرا الأوامر العليا ووفرا الغطاء والدعم للقوات المحلية التابعة لهما لارتكاب تلك الجرائم.

- يتحمل المشكو به الثالث عيدروس الزبيدي المسؤولية الأبرز بوصفه القائد الفعلي للقوات المحلية (الحزام الأمني وغيره) التي نفذت الاعتداءات. فهو من أنشأ وأدار تلك التشكيلات خارج إطار الدولة، وتولى موقع “رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي” الذي تبنت قواته هذه الأفعال. وتشير الوقائع إلى أن الزبيدي حرّض علنًا ضد مؤسسة الشموع وصحيفتها عبر خطاباته ومواقفه المعادية لحرية الصحافة والوحدة الوطنية. وبعد توليه مع شلال شائع زمام الأمور الأمنية بعدن عام 2016-2017، بدأت حملات التضييق والتهديد للمؤسسة. وعليه فإن الزبيدي يُعتبر شريكًا محرضًا على الجرائم ومُساءلًا عنها كفاعل أصلي، خاصة وأنه وفّر الدعم العلني للمشكو بهم الآخرين وأنكر مرارًا أي حق للمؤسسة في العمل بعدن. وتُثبت التقارير والشهادات أنه بارك ضمنيًا تلك الاعتداءات تحت مزاعم محاربة “أعداء القضية” وغير ذلك. ولا يفوتنا هنا الإشارة إلى أن النيابة العامة نفسها قد شكّلت لجنة خاصة للتحقيق في الوقائع المنسوبة للمدعو عيدروس الزبيدي بقرار النائب العام رقم (1) لسنة 2026، والتي تشمل انتهاكاته الجسيمة بحق المدنيين وتخريب المنشآت وغيرها، مما يُعزّز ضرورة تضمين جرائم هذه الشكوى ضمن تلك الوقائع محل التحقيق.

- يتحمل المشكو به الرابع شلال شائع (بصفته مدير أمن عدن وقت الأحداث) المسؤولية الجنائية عن تسهيل وتمكين تلك الجرائم. فقد استغل منصبه ليوقف حماية القانون عن المؤسسة، وسخّر قوات الأمن وموارد الدولة في عدن لخدمة الأجندة غير القانونية للمشكو بهم الإماراتيين والمجلس الانتقالي. وأكبر دليل على ذلك أنه وجه النقاط الأمنية للسماح بمرور الأطقم المعتدية، وتجاهل كليًا نداءات الاستغاثة التي وجّهها موظفو المؤسسة ليلة الحادثة. كما أنه لم يحرّك أي ساكن في مواجهة واقعة الحرق والنهب بل وفر الغطاء للمجرمين. وهذا يجعله شريكًا أساسيًا في كل جريمة وقعت.

- يتحمل المشكو به الخامس صالح السيد (مدير أمن لحج) المسؤولية المباشرة عن قيادة واقعة الاقتحام والنهب الثانية يوم 23 مارس 2018، حيث قاد قواته لهذه الجريمة واحتجز العاملين ونهب الممتلكات خدمةً لأهداف غير قانونية. فهو أيضًا قائد في الحزام الأمني التابع للزبيدي والإماراتيين، وتصرف خارج نطاق اختصاصه الجغرافي والقانوني بمداهمة مؤسسة صحفية في محافظة أخرى دون مسوغ. كل ذلك يجعله مسؤولًا جزائيًا كمقتحم ومنفذ رئيسي.

- يتحمل المشكو به السادس وضاح عمر (قائد الحزام الأمني في عدن آنذاك) المسؤولية عن جميع الأعمال التي قامت بها قوات الحزام الأمني في نطاق عدن، بما فيها اقتحام 1 مارس 2018. فهو صاحب السلطة المباشرة على أفراد الحزام الذين نفذوا الهجوم والحرق، ولا يمكن أن يتم ذلك دون علمه وتحت قيادته الميدانية. وبالتالي يُعتبر شريكًا أصيلًا في الجريمة.

- يتحمل المشكو به السابع يسران المقطري (قائد وحدة مكافحة الإرهاب في عدن سابقًا) المسؤولية عن سلسلة من الانتهاكات الجسيمة وجرائم الاختطاف والإخفاء القسري التي وقعت في عدن خلال نفس الفترة واستهدفت صحفيين ونشطاء. وترجح الأدلة تورطه في احتجاز بعض موظفي المؤسسة والتحقيق معهم بصورة غير قانونية تحت غطاء “مكافحة الإرهاب”، وهو الأمر الذي أثار استنكار المنظمات الحقوقية لاحقًا. إن الدور الذي لعبه يسران المقطري في ترهيب الصحفيين يجعل اسمه بارزًا ضمن المسؤولين عن الانتهاكات موضوع هذه الشكوى، ويستوجب التحقيق والمساءلة.

- أما المشكو به الثامن منير اليافعي (أبو اليمامة) فرغم وفاته لاحقًا (اغتيل عام 2019)، إلا أنه كان القائد الميداني الأبرز في كل الاعتداءات على المؤسسة. فقد قاد المحاولة الأولى لإخضاعها بالقوة في 2017، وقاد قوات الطوارئ التي شاركت في عملية الاقتحام والحرق عام 2018. لذا نذكره في قائمة المشكو بهم تأكيدًا لدور قواته ومسؤوليته عن أفعاله قبل وفاته. ومع الإقرار بانقضاء الدعوى الجنائية بوفاة المتهم، فإن الوقائع المسندة إليه مهمة لإظهار سياق الجريمة المنظّم الذي اشترك فيه بقية المشكو بهم الأحياء، وليكتمل أمام العدالة مشهد الأحداث وكيفية تخطيطها وتنفيذها.

تعطيل الإجراءات العدلية وظرف القوة القاهرة: تجدر الإشارة هنا إلى مسألة عدم تحريك الدعوى الجنائية ضد هؤلاء الجناة في وقتها. فمنذ 2018 وحتى اليوم، لم تُتخذ أي إجراءات قانونية جدية لملاحقة المتورطين رغم جسامة الجرائم المرتكبة ووضوح أدلتها. ويعود ذلك إلى ظرف قاهر حال دون قدرتنا على التقاضي آنذاك، ألا وهو وجود سلطة أمر واقع في عدن مدعومة من الإمارات كانت هي نفسها مصدر الخطر والانتهاك. فقد كانت الأجهزة المسيطرة فعليًا على الأرض هي التي يقودها المشكو بهم، مما جعل اللجوء للقضاء أو تحريك النيابة العامة ضدهم أمرًا مستحيلًا وخطيرًا على سلامتنا.

وقد أدى هذا الظرف القهري إلى تجميد قدرتنا على التقاضي طيلة فترة سيطرة تلك السلطة غير الدستورية. ومع عودة مؤسسات الدولة اليوم تدريجيًا وبسط سلطتها الشرعية، نزعت عنا حالة الإكراه تلك وزال المانع الذي حال دون طرق أبواب العدالة. ومن المبادئ المستقرة قانونًا أن القوة القاهرة توقف سريان التقادم المتعلق برفع الدعوى؛ فلا يُعتدّ بالمدة التي تعذّر فيها على المجني عليه التقاضي بسبب ظرف قهري أو سلطة غاشمة تمنعه.

 وبالتالي فإن حقوقنا في المقاضاة لا تسقط بالتقادم طالما أن التأخير كان خارجًا عن إرادتنا وبفعل هيمنة غير مشروعة منعتنا من حقنا في الشكوى. فضلاً عن ذلك، فإن الدستور اليمني نفسه نصّ في المادة (48/هـ) على أن جرائم التعذيب والمعاملة القاسية عند الاحتجاز لا تسقط بالتقادم. وفي قضيتنا، نجد أن ما تعرض له موظفونا من احتجاز تعسفي مصحوب بالتهديد والترهيب يمكن اعتباره في 

                                     

المقالات

تحقيقات

dailog-img
القبيلة اليمنية.. دولة عند الضرورة وشريك أصيل للجمهورية

في لحظة وطنية فارقة، أعادت القبيلة اليمنية تثبيت موقعها كفاعل مركزي في معركة الدفاع عن الدولة والجمهورية، ليس بوصفها بنية اجتماعية تقليدية، بل كقوة وطنية منظمة، حاضنة للمقاومة، وسندٍ فعلي لمؤسسات الدولة في مواجهة المش مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد