تكرار المشهد في عدن.. حين تتحول البدايات إلى مقدمات انقلاب جديد
نرفض المساس بأمن المملكة.. لكن هل تخدم سياستها استقرار اليمن
2025-02-09 02:49:45

بعد قرابة عقد من الإغلاق أمام الرحلات المدنية، عاد مطار "الريان" الدولي في مدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، إلى العمل الأحد 18 يناير 2026، مع استئناف تسيير الرحلات الجوية، منهياً واحدة من أكثر حالات التعطيل غموضاً لمنشأة مدنية في شرق اليمن، وأحد أبرز الملفات المرتبطة بالحضور الإماراتي الأمني والعسكري في المحافظة منذ العام 2016.
كان المطار قد أُغلق عقب سيطرة تنظيم القاعدة على مدينة المكلا مطلع أبريل 2015، ورغم استعادة المدينة في الرابع من أبريل 2016 عبر عملية عسكرية قادتها قوات يمنية متعددة بدعم من التحالف العربي، استمر إغلاق المطار أمام المدنيين لسنوات طويلة لاحقة، في سابقة أثارت تساؤلات واسعة، لا سيما مع استمرار استخدام مدرجه لرحلات خاصة تخدم تلك القوات.
وخلال سنوات الإغلاق، برّرت السلطات المحلية آنذاك في حضرموت تعطيل المطار بأسباب فنية، تتعلق بتضرر المنشآت وحاجتها لأعمال صيانة وتجهيزات ملاحية، غير أن هذه المبررات ظلت محل تشكيك، في ظل هبوط وإقلاع طائرات بصورة متقطعة، ما عزز قناعة واسعة بأن القرار كان سياسياً وأمنياً بالدرجة الأولى، وليس تقنياً كما أُعلن.
منفذ مدني تحوّل إلى منشأة مغلقة
شكّل مطار "الريان" المنفذ الجوي الوحيد لمديريات ساحل حضرموت، وإغلاقه فرض عزلة قاسية على مدينة المكلا ومحيطها، واضطر السكان للاعتماد على مطار سيئون الدولي في وادي حضرموت، الذي يبعد نحو ست ساعات براً، ما ضاعف معاناة المرضى والطلاب والمسافرين، ورفع كلفة السفر وأعبائه في واحدة من أكثر المحافظات استقراراً نسبياً خلال سنوات الحرب.
ورغم الوعود المتكررة التي أطلقتها السلطات المحلية بإعادة تشغيل المطار ضمن جداول زمنية مختلفة، ظل الإغلاق قائماً حتى مطلع 2026، مع استمرار الحديث عن "انتظار الأجهزة الملاحية" كذريعة جاهزة، دون نشر تقارير فنية مفصلة أو جدول زمني واضح للرأي العام.
المطار في قلب الملف الأمني والحقوقي
إلى جانب الإغلاق، ارتبط اسم مطار "الريان" بملف أمني وحقوقي بالغ الحساسية. فقد أشارت تقارير وبيانات صادرة عن منظمات حقوقية يمنية ودولية، منذ عام 2017، إلى استخدام المطار كموقع احتجاز خارج الأطر القانونية، ضمن شبكة مرافق أمنية أُديرت في محافظتي عدن وحضرموت خارج إشراف القضاء والنيابة.
وتحدثت تلك التقارير عن احتجازات تعسفية وإخفاءات قسرية نفذتها قوات محلية مدعومة من الإمارات، مع الإشارة إلى أن مطار "الريان" كان أحد أبرز المواقع التي أُثيرت حولها هذه الاتهامات، في ظل غياب الرقابة الرسمية ومنع المحامين والأهالي من الوصول إلى المحتجزين.
وخلال السنوات الماضية، شهدت المكلا احتجاجات ووقفات متكررة لأهالي محتجزين ومخفيين قسراً، طالبوا بالكشف عن مصير ذويهم، وإخضاع ملف الاحتجاز للسلطة القضائية، ووقف أي تدخلات تعيق تنفيذ أوامر الإفراج أو التحقيق، وهو ما لم يتم حتى الآن.
اتهامات رسمية
وهذا الاسبوع، شهد ملف مطار "الريان" تطوراً سياسياً لافتاً، تمثل في توجيه اتهامات رسمية مباشرة من قبل الرئاسة اليمنية لدولة الإمارات، تتعلق بإدارة سجون سرية وتنفيذ انتهاكات جسيمة داخل محافظة حضرموت، بما في ذلك داخل مطار الريان نفسه.
واتهم سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، خلال مؤتمر صحفي عقده في مدينة المكلا الإثنين الماضي، دولة الإمارات باستغلال مشاركتها ضمن التحالف العربي لتحقيق “أجندات خاصة”، شملت – بحسب قوله – دعم جماعات مسلحة، وإدارة سجون سرية، وتخزين متفجرات ومواد ناسفة داخل معسكر مطار الريان، إلى جانب تنفيذ عمليات اغتيال وإخفاء قسري بحق مدنيين.
وقال الخنبشي إن السلطات المحلية عثرت داخل المطار على كميات من المتفجرات وقوالب سي فور وصواعق وأدوات تفجير، بعضها كان مُعداً بطرق تمويهية لتنفيذ عمليات اغتيال، مؤكداً أن مختصين أفادوا بأن طبيعة هذه المواد وطرق تجهيزها “لا تُستخدم في الجيوش النظامية”.
كما أعلن اكتشاف سجون وزنازين تحت الأرض داخل المطار، قال إنها استُخدمت لاحتجاز وتعذيب يمنيين خارج الأطر القانونية، مشيراً إلى شروع السلطات في توثيق الانتهاكات وإتاحة بعض المواقع أمام الإعلام والمنظمات الحقوقية.
في المقابل، نفت وزارة الدفاع الإماراتية هذه الاتهامات نفياً قاطعاً، ووصفتها بأنها “باطلة ومضللة”، مؤكدة أن الإمارات أنهت انسحابها الكامل من اليمن في الثاني من يناير 2026، وأن المرافق المشار إليها داخل مطار الريان ليست سوى منشآت عسكرية اعتيادية، ولا تمثل سجوناً سرية أو مواقع احتجاز.
ولم يتطرق البيان الإماراتي إلى الشهادات العلنية التي عرضها ضحايا في المكلا، ولا إلى ما أوردته وسائل إعلام محلية ودولية من مشاهد لمتفجرات وأدوات قيل إنه جرى العثور عليها داخل المطار.
مسار متقلب من الإعلانات دون استقرار
منذ عام 2019، دخل ملف مطار الريان الدولي مرحلة من الإعلانات المتكررة عن قرب إعادة تشغيله، دون أن يفضي ذلك إلى استئناف مستقر ودائم للرحلات المدنية. ففي فبراير 2019، أعلنت الحكومة عزمها تشغيل المطار منتصف مارس من العام ذاته، مؤكدة استكمال أعمال التأهيل، قبل أن تتبع ذلك تصريحات حكومية في يونيو 2019 تحدثت عن استئناف "قريب جداً" للرحلات، دون أن يتحقق ذلك عملياً.
تشغيل انتقائي خارج الإطار الحكومي
في سبتمبر 2019، كشف وزير النقل آنذاك أن الإمارات بدأت بتسيير رحلات خاصة من وإلى مطار الريان دون تنسيق مع الحكومة، في وقت ظل فيه المطار مغلقاً أمام المواطنين، ما عكس ازدواجية في استخدام المنشأة بين تعطيل مدني وتشغيل محدود لأغراض خاصة، وأعاد الجدل حول الجهة المتحكمة فعلياً بالمطار.
افتتاحات مؤجلة وتوقف متكرر
أواخر نوفمبر 2019، أُعلن رسمياً عن إعادة افتتاح مطار الريان بعد توقف خمس سنوات، واستقبل المطار رحلات محدودة، بينها رحلات أممية، قبل أن يتوقف مجدداً دون إيضاح رسمي.
وتكرر المشهد في فبراير 2020، حين أعلن محافظ حضرموت أن المطار سيستأنف نشاطه خلال أيام، إلا أن التشغيل لم يستمر، وعادت الرحلات للتوقف بعد فترة وجيزة.
2021.. تشغيل ليوم واحد
في مارس 2021، أعلنت الحكومة جاهزية المطار الكاملة لاستقبال الرحلات المحلية والدولية، وتبع ذلك في 9 أبريل 2021 استقبال أول رحلة داخلية لطيران اليمنية بعد سنوات من الإغلاق، غير أن المطار توقف مرة أخرى عقب الرحلة الأولى، لترسخ هذه التجربة نمط "الافتتاح المؤقت" ذي الطابع الدعائي الذي طبع ملف الريان لسنوات.
إعلانات متكررة دون استمرارية
عاد الحديث مجدداً عن استئناف الرحلات في فبراير 2023، مع الإعلان عن تشغيل رحلات خارجية، ثم في يناير 2025 عن استئناف خط القاهرة – المكلا، إلا أن هذه الإعلانات لم تؤسس لتشغيل منتظم، وبقي المطار عرضة للتوقف بعد كل تدشين، دون إعلان أسباب واضحة للرأي العام.
يناير 2026: فتح مختلف عن السابق
في يناير 2026، أُعلن استئناف الرحلات الجوية من مطار الريان في سياق مختلف، بعد إنهاء السيطرة الإماراتية على المطار، وهو ما اعتبره مراقبون أول فتح فعلي للمطار خارج دائرة الإعلانات المؤقتة، واختباراً حقيقياً لإمكانية استعادة دوره كمنشأة مدنية تعمل بصورة مستقرة، بعد أكثر من عقد من الإغلاق والتشغيل المتقطع.
عودة التشغيل… وملف لم يُغلق
مع عودة المطار إلى الخدمة، انتهت عملياً مرحلة الإغلاق من الناحية التشغيلية، غير أن إعادة فتح المدرج لا تعني إغلاق الأسئلة التي راكمتها سنوات التعطيل، ولا الملفات التي وُضعت خلف أسواره بعيداً عن أعين المؤسسات الرسمية والرأي العام.
ويرى متابعون أن إعادة تشغيل مطار "الريان" تمثل خطوة ضرورية لإنهاء عزلة مدن ساحل حضرموت واستعادة حق سكانها في منفذ جوي مدني، لكنها في الوقت ذاته تفرض استحقاقاً لا يقل أهمية، يتمثل في كشف حقيقة ما جرى داخل المطار خلال سنوات الإغلاق، ومساءلة الجهات التي حولت منشأة مدنية إلى مساحة مغلقة خارج القانون.
وبينما تعود الطائرات اليوم للإقلاع والهبوط في مدرج الريان، يبقى السؤال الأوسع مطروحاً: هل تعني هذه العودة نهاية واحد من أكثر الملفات الأمنية غموضاً في شرق البلاد واليمن ككل؟
في لحظة وطنية فارقة، أعادت القبيلة اليمنية تثبيت موقعها كفاعل مركزي في معركة الدفاع عن الدولة والجمهورية، ليس بوصفها بنية اجتماعية تقليدية، بل كقوة وطنية منظمة، حاضنة للمقاومة، وسندٍ فعلي لمؤسسات الدولة في مواجهة المش مشاهدة المزيد
في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد