الإمارات وشبكات الحسابات الآلية: 19 ألف حساب لتبييض مجزرة الفاشر وتعزيز النفوذ في شرق اليمن

2025-12-31 23:31:02 أخبار اليوم - متابعات

   

في خضم واحدة من أكثر اللحظات دموية في الحرب السودانية، لم تقتصر المعركة على الأرض، بل امتدت بقوة إلى الفضاء الرقمي. بعد مجزرة الفاشر في أكتوبر 2025، أطلقت حملة إلكترونية واسعة على منصات التواصل الاجتماعي، استخدمت عشرات آلاف الحسابات الآلية لإعادة صياغة الرواية العامة حول ما حدث، تبييض دور مليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات، وتوجيه اللوم نحو أطراف إقليمية ودولية.

ومن السودان إلى جنوب اليمن، تُعاد البنية نفسها استخدامًا في التأثير السياسي، من دعم المليشيات المحلية إلى ترويج سرديات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم مادياً ولوجستياً من الإمارات، ومهاجمة السعودية، ضمن عملية نفوذ إماراتية عابرة للنزاعات.

يعرض هذا التقرير نتائج بحث الخبير الدولي مارك أوين جونز، الحائز على جوائز في مجال التضليل الإعلامي وتحليل الشبكات الرقمية، موضحًا كيف أصبحت الحسابات الآلية أداة فعّالة لإعادة تشكيل الرأي العام وخلق بيئة معلوماتية مشوّهة، وتبييض أعمال العنف، وتعزيز مصالح الفاعلين الإقليميين.

النشاط الرقمي بعد مجزرة الفاشر

وثق البحث أن نحو 21 ألف حساب نشروا حوالي 80 ألف تغريدة خلال الفترة من 5 إلى 19 نوفمبر 2025، وحققت هذه التغريدات أكثر من 91 مليون مشاهدة. وأوضح البحث أن ما بين 89 و93 في المئة من هذا النشاط كان ناتجًا عن حسابات آلية أو عالية التنسيق، أي ما يقارب 19 ألف حساب آلي، وهو رقم استثنائي ويُعد من أكبر شبكات الحسابات الآلية الموثقة في سياق نزاع واحد خلال السنوات الأخيرة.

الفاشر: المدينة الفارغة والمجزرة المخفية

يركز البحث على السياق الميداني للمجزرة، حيث سيطرت مليشيا الدعم السريع على المدينة بعد حصار طويل قائم على التجويع. وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي حللها مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل أن المدينة أُفرغت من الحياة خلال أسابيع، حيث خلت الأسواق والطرق والأحياء من السكان.

وأفادت معلومات برلمانيين بريطانيين بأن عدد القتلى قد لا يقل عن 60 ألف شخص، مع بقاء نحو 150 ألف في عداد المفقودين دون أي دلائل على مغادرتهم المدينة. ورغم تعهدات المليشيا بالسماح بالوصول الإنساني، ظلت الفاشر مغلقة أمام الصحفيين ووكالات الإغاثة ومحققي الأمم المتحدة، فيما بقيت قوافل المساعدات عالقة خارجها، وأعلن خبراء دوليون أن المدينة دخلت مرحلة مجاعة.

السردية الرقمية للحملة

أوضح البحث أن المحتوى المتداول اتسم بانضباط سردي لافت. فقد وُصفت القوات المسلحة السودانية ورئيسها عبد الفتاح البرهان بأنهما المسؤولان عن معاناة المدنيين، وعرقلة المساعدات، ورفض وقف إطلاق النار، فيما صُوّر الجوع على أنه سياسة متعمدة وليست نتيجة الحرب، مع تكرار الادعاءات بأن القوافل الإنسانية تُقصف عمدًا.

في المقابل، صُوّرت مليشيا الدعم السريع بوصفها منضبطة، متجاوبة مع مبادرات وقف إطلاق النار، ملتزمة بحماية المدنيين والمسؤولية الأخلاقية والسعي نحو السلام. ارتبطت المناطق الخاضعة لسيطرتها بصور الاستقرار والتعافي والنظام، في حين غاب تقريبًا أي تناول لانتهاكاتها.

برز ضمن الحملة وسم #عودة_الحياة_للفاشر، الذي صوّر المدينة وكأنها تعود إلى التطبيع، مع أسواق مفتوحة وأطفال يلعبون وسكان مبتسمين، مستخدمًا رموزًا دينية وثقافية توحي بالطمأنينة، في محاولة واضحة لتبييض المجزرة.

كما جرى توجيه اللوم إلى مجموعة من الفاعلين الإقليميين، وهم مصر والسعودية وقطر وتركيا وإيران وروسيا، بينما ظهرت دولة الإمارات بشكل انتقائي، بوصفها فاعلًا إنسانيًا، متعاطفًا وغائبًا عن دائرة اللوم.

البنية الشبكية للحملة وآلية التضخيم

كشف البحث عن تنسيق مركزي واضح داخل الشبكة، حيث حوالي 95 في المئة من الحسابات الموثّقة لم تتفاعل مع أي حسابات أخرى، واكتفت ببث الوسوم، بينما كانت نواة صغيرة منسّقة تدير آلاف الحسابات كأدوات تضخيم.

كما أظهرت الدراسة حالات إعادة تغريد حساب واحد من قبل مئات الحسابات الآلية، ما أدى إلى قفزات حادة في مستوى الظهور من دون أي نقاش أو تفاعل لاحق، في نمط وصفه البحث بأنه “حسابات تضخّم حسابات أخرى”.

التفعيل الزمني الممنهج للوسوم

كان نشر المنشورات يتم في موجات قصيرة وكثيفة، حيث ارتبطت كل موجة بوسم مختلف، وبلغ عدد المنشورات لكل موجة نحو 13 ألف تغريدة، ما ساعد الوسوم على الوصول إلى قوائم الترند بسرعة كبيرة.

مؤشرات الحسابات الآلية

أظهرت العينة المأخوذة من 5,881 حسابًا نشطًا أن أكثر من 81 في المئة منها أُنشئت خلال خمسة أشهر، مع إنشاء نحو 2,500 حساب في شهر واحد فقط. كما تم إرسال 96 في المئة من التغريدات عبر Twitter Web App، وهو نمط شائع في بيئات النشر الآلي والجماعي.

امتداد النفوذ: من السودان إلى جنوب اليمن

لم تقتصر الحملة على السودان فقط، بل استُخدمت البنية نفسها لاحقًا في جنوب اليمن خلال ديسمبر 2025، لترويج سرديات المجلس الانتقالي الجنوبي المتحالف مع الإمارات، ومهاجمة السعودية، ما يدل على أن حملة السودان ليست حالة منفردة، بل جزء من منظومة تأثير إماراتية قابلة لإعادة الاستخدام عبر نزاعات متعددة.

يوضح بحث مارك أوين جونز كيف يمكن للشبكات الرقمية أن تصبح أداة فعّالة في التضليل الإعلامي، عبر حجم الحسابات وسرعة النشر والتكرار، لخلق حضور مصطنع يُقدّم على أنه رأي عام. في بيئة معلوماتية مشوّهة أصلاً بالحرب وقيود التغطية، يصبح التضليل أداة إضافية لإعادة تعريف ما يُرى ويُصدق، وتبييض المجازر، وتعزيز مصالح الفاعلين الإقليميين، مع إبراز الإمارات كفاعل إنساني متعاطف، في واحدة من أكثر اللحظات دموية في الحرب السودانية.

                       

المقالات

تحقيقات

dailog-img
القبيلة اليمنية.. دولة عند الضرورة وشريك أصيل للجمهورية

في لحظة وطنية فارقة، أعادت القبيلة اليمنية تثبيت موقعها كفاعل مركزي في معركة الدفاع عن الدولة والجمهورية، ليس بوصفها بنية اجتماعية تقليدية، بل كقوة وطنية منظمة، حاضنة للمقاومة، وسندٍ فعلي لمؤسسات الدولة في مواجهة المش مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد