من حرب البنادق إلى حرب العقول.. كيف حوّلت مليشيا الحوثي التعليم إلى ساحة صراع فكرية؟

2025-11-13 09:20:45 أخبار اليوم/ أحمد حوذان

  

منذ أن اجتاحت مليشيا الحوثي الإرهابية العاصمة صنعاء عام 2014، لم تكتفِ بالسيطرة على مؤسسات الدولة، بل وسّعت نفوذها إلى أخطر جبهة على الإطلاق: جبهة العقول. فالحرب التي بدأت بالبندقية، تحولت مع مرور الوقت إلى حرب على الوعي والمعرفة، هدفها الأول إطفاء نور التعليم وإشعال ظلام الجهل الموجّه.

 

في بلدٍ كان التعليم فيه أحد آخر خطوط الدفاع أمام الانهيار، أصبح المعلم هدفًا، والجامعة ميدانًا، والمناهج أدوات تعبئة فكرية.

 

الأكاديميون اليمنيون، الذين يفترض أن يكونوا حراس الوعي وصُنّاع المستقبل، وجدوا أنفسهم بين مطرقة التهديد وسندان الإقصاء. فمنهم من اختُطف، ومنهم من أُهين، وآخرون غادروا البلاد في صمت بعد أن تحوّلت قاعات التدريس إلى مسارح للولاء.

  

العقل هدف عسكري

 

يقول الدكتور عبدالعزيز عيدان لـ “أخبار اليوم” إن مليشيا الحوثي لا تعيش إلا في بيئة الجهل، وكلما زاد وعي الناس، ذابت المليشيا وانكشف زيف خطابها. لذلك تحارب المعلم والأستاذ والطالب لأنهم نقيض وجودها.

يضيف عيدان أن اختطاف الأكاديميين واستبدالهم بعناصر موالية لا يمثل فقط انتهاكًا لحقوقهم، بل اغتيالًا متعمدًا للعقل اليمني وقطعًا لشريان التنوير في المجتمع.

 

ويؤكد الدكتور عبدالله البكري، رئيس جامعة حجة، أن المليشيا تعتبر التعليم تهديدًا لوجودها، فهي لا ترى في الجامعات مؤسسات علمية بل منابر محتملة للتمرد الفكري. من يعلّم الجيل قيم الحرية والمواطنة يُعد عدوًا للمشروع الطائفي. ويضيف أن ما يجري ليس مجرد انتقام من أفراد بل محاولة منهجية لتدمير التعليم وتحويل الجامعات إلى أدوات دعائية في خدمة الأيديولوجيا الحوثية.

 

حمود العودي.. الرمز الذي أفزع الجهل

 

في 10 نوفمبر 2025، فجّر اختطاف البروفيسور حمود العودي من منزله بصنعاء موجة غضب واسعة. العودي، المفكر وعالم الاجتماع الذي كرّس حياته لتحليل البنية اليمنية وفهم أسباب تخلفها، أصبح في نظر الجماعة خصمًا لا يمكن التسامح معه.

اختُطف العودي ورفيقاه عبدالرحمن العلفي وأنور خالد شعب بعد أن تحدثوا عن خطورة تطييف التعليم وانحراف الجامعات عن رسالتها.

 

يقول الدكتور عبده مدهش الشقري في تصريحات إعلامية: "إن المليشيات لم تكتفِ بمصادرة القلم، بل وصلت وقاحتها إلى اختطاف علماء كالبروفيسور العودي رغم شيبته ومكانته الأكاديمية. ويضيف: “العودي لم يُختطف لأنه معارض سياسي، بل لأنه نطق بالحقيقة، والحقيقة جريمة كبرى في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي .”

 

حادثة العودي ليست استثناءً، بل حلقة في سلسلة طويلة من الاعتداءات التي طالت العقول الحرة. منذ عام 2014، تم اختطاف مئات الأكاديميين من منازلهم وجامعاتهم، بعضهم لا يزال مصيره مجهولًا حتى اليوم.

  

المعلم والمناهج.. أولى الجبهات

 

منذ انقلابها، شرعت مليشيا الحوثي في إعادة صياغة المناهج الدراسية، وأدخلت مفردات طائفية تمجّد زعيمها وتعيد تفسير التاريخ على أسس مذهبية. كما استبدلت مئات المدرّسين بأشخاص موالين تلقوا “دورات ثقافية” تزرع الولاء للمليشيا .

 

تقول ناشطة حقوقية لـ “أخبار اليوم”، فضلت عدم ذكر اسمها، إن الجامعات والمدارس في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي لم تعد مؤسسات للتعليم، بل مراكز تعبئة فكرية. الأساتذة المستقلون يُقصَون من مناصبهم، والمناهج تُفرغ من مضمونها العلمي لصالح روايات مذهبية. وتضيف أن “كل من يعترض على هذا التوجه يوصف بالمرتد أو العميل.”

 

الجهل.. عقيدة البقاء

 

يؤكد الدكتور فاروق الصباري، عميد مركز اللغات بجامعة إقليم سبأ، أن مليشيا الحوثي لا تريد التعليم أساسًا، فهي ترى في الوعي خطرًا يهدد سلطتها. ويقول إن هدفها إعادة الشعب إلى الوراء مئة عام، لأن كلما تعلم الشعب زاد وعيه بحقوقه وأصبح قادرًا على المقارنة والمساءلة، وهذا ما لا تريده الجماعة.

 

أما الدكتور محمد المصباحي، فيصف مشروع الحوثي بأنه قائم على الجهل ومبني على تغييب العقل. فمشروعهم لا يستطيع أن يستمر إلا في بيئة من التبعية والخوف. “إنهم لا يخشون القلم لأنه يكتب، بل لأنه يُفكر”، يقول المصباحي، مضيفًا أن الأكاديميين يمثلون الطبقة الأعلى في التنوير المجتمعي، ولهذا فإن تكميم أفواههم ضرورة وجودية للمليشيا .

 

من جامعات العلم إلى مراكز الولاء

 

تشير تقارير حقوقية إلى أن أكثر من 160 أستاذًا جامعيًا فُصلوا تعسفيًا من جامعة صنعاء وحدها منذ عام 2018، فيما تم اختطاف مئات آخرين في محافظات إب وذمار وحجة وريمة.

 

وتوثق منظمة “رايتس رادار” مقتل 33 أكاديميًا وإصابة 98 خلال عقد من الزمن، إلى جانب اختطاف أكثر من 630 أكاديميًا ومعلمًا.

كما تسرب نحو 4.5 مليون طالب من التعليم بسبب الحرب وانهيار النظام التعليمي، وهو رقم يعكس حجم الكارثة التي تضرب مستقبل البلاد.

 

تفريغ الجامعات وملء السجون

 

تحولت الجامعات إلى بيئة خانقة تُدار فيها العملية التعليمية من منظور أمني. محاضرات تُفتتح بالصرخة الحوثية، ومقررات تتضمن شعارات المليشيا . في المقابل، تمتلئ السجون بأساتذة رفضوا الانصياع أو تجرؤوا على النقاش.

 

يقول أحد الأكاديميين الذي فضّل عدم ذكر اسمه: “في السابق كنا نختلف أكاديميًا داخل القاعات، اليوم لا نجرؤ على الاختلاف خارجها. إما أن تردد شعاراتهم أو تصبح هدفًا.”

 

من حرب البنادق إلى حرب العقول

 

يشير تقرير حديث لمنظمة “رايتس رادار” إلى أن مليشيا الحوثي تخوض حربًا مزدوجة: حربًا بالسلاح، وأخرى بالفكر. فهي تدرك أن السيطرة على المناهج والعقول تضمن لها جيلاً مطيعًا لا يعرف سوى الولاء والطاعة. ويحذر المراقبون من أن هذه الحرب الفكرية أخطر من الحرب العسكرية، لأنها تُنتج جيلًا فاقد الهوية الوطنية، مفرغًا من أدوات النقد والمعرفة.

 

حين يُختطف الأستاذ، يُختطف المستقبل

 

يتفق الأكاديميون اليمنيون الذين تحدثوا لـ “أخبار اليوم” أن الحوثيين حوّلوا التعليم من وسيلة للنهوض إلى أداة للهيمنة والسيطرة، وأنهم يخوضون حربًا صامتة ضد الوعي.

 

لم تعد المدارس والجامعات مؤسسات للعلم، بل ساحات لغسل العقول وتربية أجيال على الطاعة العمياء.

 

في النهاية، يظل السؤال مفتوحًا: كيف يمكن لليمن أن ينهض، بينما تُختطف نخبه الأكاديمية وتُدفن العقول في الزنازين؟

ربما تكون الحرب على الوعي أخطر من كل الحروب، لأن الجهل في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي أصبح ليس نتيجةً للحرب، بل مشروعًا بحد ذاته.

المقالات

تحقيقات

dailog-img
التعبئة الحوثية.. أوعية لعسكرة وتلقين المجتمع على طريقة الباسيج الإيرانية

تركز مليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران مجهوداتها الرئيسية على تعبئة المجتمع وتجنيده عسكريًا وتأطيره أيديولوجيًا، لخدمة مشروعها وحروبها المستقبلية، استنساخًا للتجربة الإيرانية. زعيم الميليشيا أفصح عن تدريب أ مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
قائد لواء المغاوير العميد العبسي: النصر حتمي والحوثي إلى زوال

▪ لواء المغاوير .. مسيرة تضحيات وبطولات خالدة. ▪ بشائر النصر تلوح.. والحوثي صفحة سوداء إلى زوال. ▪ الوضع الميداني اليوم أكثر استقرارًا وصمودًا. ▪ سبتمبر هوية وهواء يتنفسه المقاتلون. ▪ التنسيق العسكري في محور مران جسد واح مشاهدة المزيد