الحوثيون يختارون المواجهة: دوافع الهجمات المتكررة على إسرائيل

2024-12-23 02:54:19 أخبار اليوم - متابعات

  

تواصل مليشيا الحوثي الإرهابية شن هجمات على الكيان الإسرائيلي، رغم ضعف قدراتها العسكرية مقارنة بحزب الله.

فما الذي يدفع مليشيا الحوثي إلى المخاطرة بهذا التصعيد؟

أحد الأسباب الرئيسية هو الرغبة في تعزيز مكانتهم الإقليمية وكسب تأييد الشارع اليمني. فبالهجوم على الكيان الإسرائيلي، تحاول مليشيا الحوثي تقديم أنفسهم كمقاومين ضد العدو الصهيوني. بالإضافة إلى ذلك، يهدفون إلى إرباك حسابات إسرائيل وإظهار أنهم قوة لا يمكن تجاهلها.

- عوامل مشجعة

هناك الكثير من العوامل التي تشجع مليشيا الحوثي على مواصلة هجماتهم على الاحتلال الإسرائيلي والاعتقاد بأنه لن تكون هناك عواقب كبيرة ستترتب عليها، بالرغم من تفكك المحور الإيراني وانهيار أبرز مكوناته، والتهديدات الإسرائيلية بعمل عسكري واسع ضد مليشيا الحوثي، وأنهم سيكونون الهدف التالي بعد حزب الله اللبناني.

ومن أهم العوامل التي تشجع مليشيا الحوثي على استمرار هجماتهم على إسرائيل هذه الأيام، الحديث عن قرب التوصل إلى تهدئة محتملة في قطاع غزة. وبما أن مليشيا الحوثي ربطوا وقف هجماتهم بوقف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فإن الحديث عن تهدئة محتملة يشجع الحوثيين على استثمار اللحظات الأخيرة باعتبار أنه بعدها ستتوقف الهجمات ولن تكون هناك مبررات لهجوم إسرائيلي واسع يستهدف قياداتهم ومخازن أسلحتهم، وبنفس الوقت ستعفيهم التهدئة المزعومة في غزة من استمرار مغامراتهم، والاحتفال بالنصر، كما أن استمرار الهجمات على إسرائيل بمنزلة رسائل موجهة للداخل بعد ازدياد المطالب الشعبية بالقضاء على مليشيا الحوثي بعد انهيار نظام بشار الأسد، وفحوى تلك الرسائل أنهم ما زالوا في موقع قوة، وأن تحديهم لإسرائيل سيجعل ما دونها أهون بالنسبة لهم.

يضاف إلى ذلك أن الضربات الإسرائيلية والأمريكية السابقة لم تؤثر على مليشيا الحوثي، ولذا فهم يعتقدون أن أي ضربات جديدة حتى وإن كانت مكثفة فإنها ستستهدف مواقع فارغة وبنى تحتية مدنية، وبالتالي فلن تتضرر مليشيا الحوثي منها، كما أن البعد الجغرافي بين اليمن وإسرائيل سيجعل الضربات على الحوثيين شاقة ومكلفة، وكذلك فالمساحة الواسعة التي تسيطر عليها مليشيا الحوثي وتضاريسها الجبلية المعقدة ستمكنهم من امتصاص أثر الضربات الجوية، وهي عوامل تشجعهم على مواصلة هجماتهم على الاحتلال الإسرائيلي.

علاوة على ذلك، لا تبالي مليشيا الحوثي بتعريض المدنيين للخطر بسبب هجماتها غير المجدية على إسرائيل، فهي مليشيا بلا أي مرجعية أخلاقية تجعلها تضع مصالح المواطنين وأرواحهم فوق كل الاعتبارات، ولا تتورع عن التضحية بالمدنيين والتسبب في دمار مدن ونزوح سكانها من أجل تحقيق مكاسب سياسية غير مضمونة وخدمة إيران التي يبدو أنها لن تتخلى عن إستراتيجية الدفاع الأمامي بواسطة مليشيات طائفية موالية لها، وفي الوقت نفسه تحرص المليشيات الحوثية على أن تكون هجماتها على إسرائيل محدودة وغير فعالة حتى لا تستدعي ردا كبيرا يستهدف قيادات المليشيات ومخازن أسلحتها مما قد يؤثر على وضعها في الداخل ويجعلها في موقف ضعف أمام خصومها.

فضلا عن ذلك، فإن جمود الجبهات الداخلية، وعدم رغبة السعودية والإمارات في عودة الحرب في اليمن، وحرصهما على عدم القضاء على مليشيا الحوثي منذ عشر سنوات، وأيضا استئناف السعودية لجهود السلام وما يسمى خارطة الطريق الأممية في هذا التوقيت، تعد من أهم العوامل التي تشجع مليشيا الحوثي على الاستمرار في تنفيذ هجمات متفرقة على الاحتلال الإسرائيلي، لاطمئنانها بأن الرياض وأبو ظبي ستحولان دون شن عملية عسكرية واسعة ضدها قد تقضي عليها وتنهي مستقبلها السياسي تماما.

- انتحار عسكري بحثا عن مكاسب سياسية

مؤخرا أفادت صحيفة معاريف الإسرائيلية بأن مليشيا الحوثي أطلقت أكثر من 200 صاروخ وأكثر من 170 طائرة مسيرة متفجرة على إسرائيل منذ 7 أكتوبر 2023، وأشارت إلى أن الولايات المتحدة والقوات الجوية والبحرية الإسرائيلية اعترضتا معظم الصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقتها مليشيا الحوثي من اليمن.

وإذا كانت إحصائية صحيفة معاريف دقيقة، فإن العدد يبدو قليلا قياسا بالمدة الزمنية منذ عملية طوفان الأقصى وإلى اليوم، أي أنه كل 10 أيام أو 15 يوما يطلق الحوثيون صاروخا واحدا أو طائرة مسيرة واحدة باتجاه الاحتلال الإسرائيلي، وقد تم اعتراض معظمها، وهو ما يعني أن الهجمات الحوثية كانت بلا جدوى، وتحقق فرقعات إعلامية فقط.

وهكذا فالهجمات الحوثية على الاحتلال الإسرائيلي لن تغير من مجريات الصراع أو معادلات القوة، وضررها على الشعب اليمني أكثر من ضررها على إسرائيل في حال عمدت إسرائيل إلى شن عملية عسكرية واسعة ضد مليشيا الحوثي تشبه عملياتها العسكرية في قطاع غزة وجنوب لبنان، وتعمدت قصف ما بقي من البنى التحتية ومنازل المدنيين، وما سيترتب على ذلك من سقوط ضحايا مدنيين وتهجير سكان مدن بأكملها ونزوح داخلي سيزيد من عمق المأساة التي يعاني منها الشعب اليمني منذ عشر سنوات.

لا شك أن مليشيا الحوثي يدركون أن مثل هذه العواقب محتملة، لكنهم لا يبالون بذلك، فالأهم بالنسبة لهم في هذه المرحلة مواصلة هجماتهم لاعتقادهم بأنها ستمنحهم مكاسب سياسية آنية وأخرى على المدى الطويل، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي، فمحليا تعتقد المليشيات أن هجماتها على إسرائيل ستمنحها شرعية سياسية وقبولا شعبيا واصطفافا إلى جانبها يمكن توظيفه لاحقا في حربها الداخلية لترسيخ سيطرتها وتوسيعها، وأما إقليميا فالمليشيات ترى أن تلك الهجمات ستزيد من شعبيتها وسترسخ حضورها كبديل لحزب الله اللبناني ضمن ما بقي مما يسمى "محور المقاومة"، كما سيمنحها ذلك حظوة لدى إيران التي ستسخر كل الدعم الذي كانت تقدمه لحزب الله وغيره لها فقط، مع تقديم دعم محدود للمليشيات الطائفية في العراق.

وفيما يتعلق بالضربات الإسرائيلية المحتملة التي ستستهدف قيادات مليشيا الحوثي ومخازن أسلحتها، فالمليشيات تعتقد أنها اكتسبت مناعة ضد الغارات الجوية من خلال تجربة السنوات السابقة من الحرب في اليمن التي تخللتها غارات سعودية مكثفة على المواقع العسكرية للانقلابيين، ولم تستطع استهداف قيادات كبيرة من قيادات المليشيات التي تتحصن في مواقع سرية أو تتنقل في منازل منهوبة أو مهجورة في أوساط المباني السكنية للمدنيين. وكذلك الأمر بالنسبة لمخازن الأسلحة، فهي موزعة على مواقع كثيرة وبكميات قليلة، لا سيما الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة التي تستخدم في استهداف الاحتلال الإسرائيلي والسفن التجارية في البحر الأحمر.

- عن الدور الأمريكي المحتمل

ما سبق لا يعني أن قيادات المليشيات ومخازن أسلحتها ستكون في مأمن من الضربات الإسرائيلية، فإذا كانت الغارات الجوية الإسرائيلية السابقة على مواقع في مناطق سيطرة الحوثيين قد استهدفت بنى تحتية أو أهدافا مدنية، ولم تتسبب بأي خسائر فعلية لمليشيا الحوثي، فإن ذلك يعني للوهلة الأولى أن إسرائيل ليس لديها بنك أهداف حوثية وبضربه يمكن تكبيد مليشيا الحوثي خسائر فادحة، وذلك لعدم وجود استخبارات إسرائيلية في مناطق سيطرة مليشيا الحوثي واليمن بشكل عام، لكن إسرائيل ستعتمد على المخابرات الأمريكية في حال قررت توجيه ضربة قاسية لمليشيا الحوثي، وستستهدف معظم قياداتهم البارزة وأهم مخازن الأسلحة.

علما أن المخابرات الأمريكية لديها إمكانيات عالية وقدرات تكنولوجية فائقة، فهي حتى وإن كانت غير موجودة على الأرض، أو أن عملاءها غير قادرين على الحصول على معلومات كافية عن العدو، لكنها ستعتمد بشكل رئيسي على الصور والبيانات المخزنة في الأقمار الصناعية، ومن خلال تتبع تلك البيانات والصور ستتمكن من تحديد مواقع تخزين الأسلحة وغيرها من المواقع المشبوهة، بالإضافة إلى تتبع تحركات القيادات الرئيسية وأماكن إقامتها من خلال تتبع بصمات الوجوه عبر الأقمار الصناعية، وهذا سيستغرق وقتا طويلا حتى إنجازه، ولعل ذلك ما يفسر التصريحات الإسرائيلية عن استعدادات لعمل عسكري واسع ضد مليشيا الحوثي، وربما أن هناك تقنيات عالية الدقة ومستشعرات حديثة تستخدم في مثل هكذا حروب ولم يكشف بعد النقاب عنها.

وهكذا سيجد مليشيا الحوثي أنفسهم في موقف صعب، بسبب محاولاتهم المتاجرة السياسية بالقضية الفلسطينية لتحقيق مكاسب في الداخل، وانخراطهم المتهور في المشروع الإيراني، ومقامرتهم بما بقي من بنية تحتية في البلاد وتعريض المواطنين لخطر كبير غير قادرين على درئه، أي أن المليشيات تنتحر عسكريا وتعرض حياة المدنيين للخطر، أملا في الحصول على مكاسب سياسية غير مضمونة ولا يشجع سياق الأحداث على الحصول عليها، وسيدفع المدنيون الثمن الأكبر لتلك المغامرات.

• بلقيس نت

               

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
حرب الموانئ: الصراع الصامت بين الرياض ودبي.. من يملك مفاتيح التجارة في الشرق الأوسط؟

لم يعد التنافس بين السعودية والإمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية مجرد سباق تجاري تقليدي، بل تحوّل – وفق توصيف تقارير وتحليلات غربية حديثة – إلى صراع استراتيجي صامت لإعادة رسم خريطة التجارة في الشرق الأوسط مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
نزول ميداني ومراقبة صارمة: الأشول يكشف استراتيجيات وبرامج وزارة الصناعة لضبط الأسواق وحماية القدرة الشرائية

في ظل التغيرات السياسية الأخيرة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن اليمني، ومع دخول شهر رمضان المبارك الذي يزيد الطلب على المواد الغذائية والسلع الاستراتيجية، يطرح الشارع تساؤلات مهمة حول قد مشاهدة المزيد