العدالة تلاحق “إسرائيل المعزولة” في كلّ مكان

2024-05-26 01:12:18 أخبار اليوم/بوابة تونس /محمد بشير ساسي

  

لأول مرّة منذ عقود تشعرُ إسرائيل بأنّها معزولة ومنبوذة ولا يوجد أمامها إلّا خيارات سيئة وعواقب وخيمة تجنيها من حرب إبادة جماعية تشنّها بوحشية على قطاع غزة، وقد أدخلتها في “مرحلة تيه” غير مسبوقة في تاريخ صراعها مع الفلسطينيين.

أعباء ثقيلة

فمع اقتراب العدوان المدمّر من شهره الثامن، بدأت عديد الأسئلة -المتعلقة بالسياقات العسكرية والسياسية والدبلوماسية وحتى القانونية- تتكشّف إجاباتها بصورة واضحة لتعزّز قناعات في الوعي وعلى الأرض بأنّ إسرائيل أضحت تتحمّل أعباء ثقيلة لم تعرفها منذ نشأتها عام 1948 بمنطق استعماري على حساب “أرض فلسطين التاريخية”.

ويتّفق مراقبون وخبراء في العلاقات الدولية أنّ تل أبيب تلقّت في زمن وجيز عدة ضربات قاسية أضرّت بصورتها وسمعتها ومكانتها الإستراتيجية بكونها “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، وفنّدت “سرديتها الكاذبة” التي تظهر الكيان الإسرائيلي “ضحية ” المقاومة الفلسطينية (حركة حماس) وأذرع إيران الإرهابية التي تترصّد أمنه ووجوده في المنطقة الملتهبة.

وفي واقع الأمر هيّأت عدّة ظروف أفرزتها الحرب على غزة، وكانت بمثابة المحفزات القوية لمحاصرة إسرائيل بالقانون الإنساني والشرعية الدولية. ويمكن إيجازها في المستويات التالية:

– وحشية الحرب الدموية التي خلّفت أكثر من 36 ألف شهيد معظمهم أطفال ونساء وما يفوق 80 ألف جريح، كما أجبرت قرابة 2 مليون شخص على النزوح ضمن مساحة صغيرة تقدّر بـ360 كلم مربع بالإضافة إلى التدمير الممنهج للبنية التحية (منازل ومستشفيات ومؤسسات حكومية وتعليمية ودينية) والتجويع المتعمّد للأهالي.

– تحقير قوات الاحتلال المنظمات الدولية واستهدافها الممنهج لفرق الإغاثة التي تقدّم خدمات لسكان غزة خلال فترة الحرب، حيثُ تشير الأرقام إلى أنّ ما يقرب 200 موظف أمميّ قضوا خلال هذا العدوان الدموي على القطاع المحاصر.

– تعمّد الحكومة الإسرائيلية المتطرّفة عدم وقف إطلاق النار وإظهار عدم الجدية في استكمال ملف مفاوضات تبادل الأسرى مع حماس، وكذلك التشكيك في جهود الوساطة القطرية والمصرية في هذا التوقيت الحساس.

– مواصلة الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الحكومات الغربية دعم إسرائيل بشكل مفضوح ومباشر، وذلك بحمايتها في مجلس الأمن وتعزيز ترسانتها العسكرية بأسلحة محرّمة دوليا.

– إحداث العدوان على غزة استقطابات داخل الولايات المتحدة بين قوى سياسية متماهية مع الموقف الإسرائيلي ورأي عام متعاطف مع الفلسطينيين يدعو إلى وقف العدوان في شوارع المدن وباحات الجامعات، واستقطاب آخر بين الدول الأوروبية نفسها بين حكومات تتعهّد بمساندة مطلقة لإسرائيل ودول تدعو إلى وقف القتال وتنتقد الحكومة الإسرائيلية.

ملف ضخم

أمام هذا التعنّت السياسي الإسرائيلي والجنون العسكري الممارس يوميّا في غزة وما يحدث من جرائم مروّعة في حق المدنيين العزّل، صدحت محكمة العدل الدولية بصوتها واعترفت ثلاث دول أوروبية بالدولة الفلسطينية كردات فعل وُصفت بالجريئة ضد مجازر فاقت حدود الحرب بمفهومها التقليدي وباتت تذكّر العالم بالهولوكوست (المحرقة)، على حدّ تعبير المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بفلسطين فرانشيسكا ألبانيز.

بين أورقة محكمة العدل الدولية بات ملف إسرائيل ضخما دون نقض أو استئناف، منذ أن فتحت جنوب إفريقيا في ديسمبر الماضي معركة قانونية على تل أبيب في أعلى الهيئة القانونية تابعة للأمم المتحدة وطلبت إصدار أمر عاجل يعلن أنّ إسرائيل تنتهك التزاماتها في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948.

وفي خطوة متوقّعة تجاهلت تل أبيب قرارات أعلى الهيئة القانونية العليا في الأمم المتحدة التي أصدرت تدابير مؤقتة في 26 جانفي الماضي، تأمر تل أبيب باتخاذ “تدابير لمنع وقوع أعمال إبادة جماعية في حق الفلسطينيين، وتحسين الوضع الإنساني في قطاع غزة”، الذي تحاصره إسرائيل منذ أكثر من 17 عاما.

لكن يبدو أنّ الأوامر الأخيرة لمحكمة العدل الدولية -رغم أنّها لا تمتلك أيّ وسيلة لتنفيذ قراراتها- سيكون لها ثقلا دوليا كبيرا وفق مراقبين، إذ من المتوقّع أن تزيد عزلة تل أبيب بعد سلسلة من الانتهاكات المسجّلة داخل القطاع المحاصر لأكثر من 7 أشهر.

فخلال قراءته تفاصيل حكم “العدل الدولية”، أكّد رئيس المحكمة نواف سلام أنّ الإجراءات المؤقتة التي أُشير إليها في مارس الماضي لم تعالج الوضع في القطاع، وشدّد على جملة من الأوامر:

– وقف الهجوم العسكري الإسرائيلي على مدينة رفح الذي من شأنه أن يفرض على الفلسطينيين في غزة ظروفا معيشية يمكن أن تؤدّي إلى تدميرهم المادي كليا أو جزئيا.

– ضرورة إبقاء معبر رفح مفتوحا لتسهيل دخول المساعدات الإنسانية لقطاع غزة دون عوائق.

 – ضمان وصول أيّ بعثة لتقصّي الحقائق ترسلها الأمم المتحدة للتحقيق في مزاعم الإبادة الجماعية.

– تقديم إسرائيل تقريرا إلى محكمة العدل الدولية حول الإجراءات التنفيذية للقرار خلال شهر من موعد صدوره.

هستيريا سياسية

وتأتي أوامر “محكمة العدل الدولية” بعد أيام قليلة من “الطلب الشجاع” للمدّعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، إصدار أوامر اعتقال في حق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه يوآف غالانت بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

في هذا المستوى تحديدا يقدّر خبراء في القانون الدولي أنّ محكمة العدل الدولية استوفت كل الشروط لاتّخاذ إجراءات طارئة جديدة في قضية اتهام إسرائيل بالإبادة الجماعية ونهاية الإفلات من المسؤولية والعقاب بالنسبة إلى المسؤولين الإسرائيليين، وأنّ العالم بدا يشعر بقدر من الرضا وهو يشهد بداية إرساء العدالة.

في المقابل تسود في إسرائيل حالة من الهستيريا السياسية ضد خان وقراره الذي وصف بأنّه “فضيحة ووصمة عار تاريخية، والحجة الوحيدة التي تُتداول لمنع الحكم هو إلحاق الضرر بالمحكمة بغرض إقناع الدول الصديقة بعدم تأييد أحكامها، وفرض عقوبات على قضاتها.

فبعد مناقشات نتنياهو مع الوزراء والمستشارة القضائية للحكومة، أجمع الكل أنّ إسرائيل ليست ملزمة بوقف القتال في رفح وفي غزة عموما، وأنّ مستقبلها ليس منوطا بما يقوله الأغيار، بل بما يفعله اليهود كما صرّح وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير .

تسونامي ديبلوماسي

بالتوازي مع المعركة القانونية ضد محكمة العدل الدولية تخوض إسرائيل معركة دبلوماسية أخرى لا تقلّ شراسة عن الأولى ضدّ شق أوروبي اختار التضامن مع فلسطين عبر الاعتراف بدولتها في خطوة ستدخل حيّز التنفيذ يوم 28 ماي الجاري، وعلى الطريق كذلك أعلنت دول أخرى -مثل سلوفينيا ومالطا- استعدادها للاعتراف بدولة فلسطينية.

وكان الاتفاق بين حكومات إسبانيا والنرويج إيرلندا أنّ حرب الإبادة الجماعية في غزة أظهرت أنّ تحقيق السلام والاستقرار لا بدّ أن يستند إلى حلّ القضية الفلسطينية، وأنّ تفادي المأساة والقتل الحالي بغزة كان ممكنا لو تم الاعتراف بدولة فلسطينية متماسكة سياسية بعد اتفاق أوسلو.

وبدت حكومة نتنياهو عاجزة عن مواجهة هذه الخطوة التي ردّت عليها بالانتقام من الفلسطينيين عبر الإعلان عن توسيع الاستيطان وإلغاء “قانون فك الارتباط” في عدد من المستوطنات المخلاة منذ عقدين بشمال الضفة الغربية، وفرض عقوبات اقتصادية وسياسية على السلطة الفلسطينية.

كما تحرّكت حكومة نتنياهو لمواجهة ما وُصف بـ”تسونامي” الاعتراف بدولة فلسطين إلى استدعاء سفراء تل أبيب في مدريد ودبلن وأوسلو للمشاورات مع الإبقاء عليهم في إسرائيل.

وكذلك الأمر:

– استدعاء سفراء الدول الثلاث لدى إسرائيل إلى جلسة توبيخ.

– فرض المقاطعة عليهم بعدم استدعائهم لأيّ مراسم دبلوماسية احتفالية.

– الحدّ من تحرّكات وتنقّل دبلوماسيي هذه الدول في الضفة الغربية أو الاتصال والتواصل مع السلطة الفلسطينية.

ويصف محلّلون هذا الاعتراف بمثابة انتصار للرواية الفلسطينية و”صدمة سياسية” لم تشهدها تل أبيب من قبل، انسجم مع تحوّلات مهمة عالمية، ومنها البعد القانوني أمام محكمة العدل الدولية وتصدّع في الموقف الأوروبي الجمعي الداعم لدولة الاحتلال بشكل غير معتدل وانحيازي، وفيه اختلال وازدواجية معايير وكذلك التحرّكات الاحتجاجية للمظاهرات في شوارع العواصم الكبرى وباحات الجامعات، وهذا ينبئ باعترافات أخرى وإنجازات تأتي في سياق طبيعي من التحولات السياسية والقانونية والإعلامية وقبل ذلك الشعبية.

وحتى داخل إسرائيل يجمع كثيرون أنّ اعتراف الدول الثلاث بالدولة الفلسطينية يعكس الفشل الدبلوماسي للمؤسسة الإسرائيلية الذي يضاف إلى الإخفاق الاستخباراتي والعسكري في المستويين السياسي والأمني، كما أنّ الخطوة ستكون لها تداعيات سلبية على العلاقات الدبلوماسية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، وقد تكون انتكاسة للتعاون في مختلف المجالات التجارية والاقتصادية والصناعية والأكاديمية.

وثمة من يعتقد في إسرائيل نفسها أنّ هذه مجرد بداية “التسونامي”، فخلال الأشهر الثمانية التي قضاها نتنياهو في السلطة مع حكومته اليمينية أصبح حلم الشعب الفلسطيني حقيقة، فيما العزلة الدولية لإسرائيل هي الأكبر على الإطلاق، والرأي العام الدولي هو الأكثر تعاطفا القضية الفلسطينية”.

خلاصة القول رغم ادعاء إسرائيل بأنّها غير معنية بقرارات محكمة العدل الدولية ولا تبالي باعترافات ثلاث دول أوروبية بدولة فلسطنية ولا يهمها حتى انتفاضة العالم بأجمعه، فهذا لا يخفي أنّ الكيان المغتصب بلغ مرحلة حرجة اهتزت خلالها صورته في الداخل والخارج وسط عزلة شبيهة في كوريا الشمالية وبيلاروسيا وميانمار.

كما ضاق الخناق أيضا على من يدعم تل أبيب في مجلس الأمن ويزوّدها بالعتاد العسكري، وهذه اللامبالاة بعدم الالتزام بالقانون الدولي وحماية حقوق الإنسان ونصرة القضايا العادلة ستقود العالم إلى حالة فوضى أقرب إلى الكارثة.

                               

الأكثر قراءة

المقالات

تحقيقات

dailog-img
كيف تحوّلت مؤسسات صنعاء إلى “فقَّاسة صراع” الأجنحة داخل جماعة الحوثي؟ (تحقيق حصري)

حوّل خلاف موالين لجناحين (متشددين) متعارضين داخل جماعة الحوثي المسلحة “جلسة مقيّل” خاصة- بالعاصمة اليمنية صنعاء خلال عيد الأضحى المبارك- إلى توتر كاد يوصل إلى “اقتتال” في “مجلس” مليء بالأسلحة والقنابل ا مشاهدة المزيد

حوارات

dailog-img
وزير الدفاع يتحدث عن الحرب العسكرية ضد ميليشيا الحوثي ويكشف سر سقوط جبهة نهم والجوف ومحاولة اغتياله في تعز ولقائه بطارق صالح وتخادم الحوثيين والقاعدة وداعش

كشف وزير الدفاع الفريق ركن محسن محمد الداعري، ملف سقوط جبهتي نهم والجوف، بقبضة ميليشيا الحوثي، للمرة الأولى منذ تعيينه في منصبه. وأشاد الداعري، في حوار مع صحيفة "عكاظ" بالدعم بالدور المحوري والرئيسي الذي لعبته السعودية مشاهدة المزيد