الخطأ الاستراتيجي الأكبر الذي وقعت فيه بعض دوائر القرار الدولية يكمن في التعامل مع جماعة الحوثي، بوصفها كياناً يمنياً خالصاً له مطالب مشروعة. وهذا وهم قاتل، دفع ثمنه اليمنيون دماً، ودفعته المنطقة أمناً، وسيدفعه العالم طاقةً واستقراراً. فالجماعة ليست حزباً سياسياً، ولا مكوناً قبلياً، ولا حركة احتجاجية، بل هي تشكيل عسكري عقائدي عابر للحدود؛ تستمد فتواها من الولي الفقيه، وتسليحها من ترسانة الحرس الثوري، وقرارها العملياتي من غرفة إدارة في طهران. هدفها ليس حكم اليمن، بل تحويله من دولة عربية أصيلة ذات سيادة إلى منصة صواريخ متقدمة لتهديد الجزيرة العربية وخطوط الملاحة الدولية.
هذا التشخيص الخاطئ هو الذي وضع الجماعة في وضع تكتيكي مثالي تريده طهران. فالعقيدة الإيرانية لا تريد للحوثي انتصاراً كاملاً؛ لأن الانتصار الكامل يعني تحمّل أعباء دولة منهارة، وتوفير رواتب وخدمات وبناء مؤسسات، وهو ما لا تقدر عليه المليشيا ولا تريده. وفي المقابل، لا تريد له هزيمة كاملة؛ لأن الهزيمة تعني خسارة أهم ورقة ضغط تملكها في خاصرة الجزيرة العربية. ما تريده هو إبقاؤه في المنطقة الرمادية المريحة: قوياً بما يكفي لتهديد الجوار واستهداف باب المندب، الذي يمر عبره 12% من التجارة العالمية، وضعيفاً بما يكفي ليبقى تابعاً ذليلاً ينفذ الأوامر دون كلفة مباشرة عليها.
ولهذا، تريد طهران أن تفرض على خصومها الإيقاع الذي تريده والتحكم بسرعته. فالمشروع بالنسبة لها الأكبر هو كسب الوقت الثمين للوصول إلى العتبة النووية، بعد أن وصلت نسب التخصيب إلى المعدلات الكافية لامتلاك السلاح النووي. ولهذا لا تريد مليشياتها حرباً شاملة تخسر فيها كل شيء، بل تريد مناوشات مستمرة: هجمات متقطعة. لأن هذا الأسلوب المستفز يبقي ملفها مفتوحاً في مجلس الأمن.
علاوة على أنها تريد من خلال هذه المناوشات فرض معادلة ابتزاز خبيثة، مفادها: "نحن من نملك زر إيقاف الهجمات على باب المندب وعلى أرامكو، فتفاوضوا معنا لا مع الشرعية".
وهنا يكمن جوهر المؤامرة: تهميش الشرعية الدستورية، وتحويل المليشيات إلى دولة موازية تختطف القرار اليمني. فطهران تريد تحويل سوق الطاقة إلى ورقة ضغط استراتيجية، وهي تعلم أن استقرار العالم يقوم على استقرار هذا السوق، وأن السوق يمر عبر عنقين لا ثالث لهما: مضيق هرمز الذي تلوح بإغلاقه، وباب المندب الذي سلمت إدارته الميدانية لجماعة لحوثي. فإن أرادت رفع سعر النفط، أو الضغط على الغرب في مفاوضاتها النووية، أمرت ذراعها في اليمن بإرباك المشهد في باب المندب، أو مارست هي ذات الدور في مضيق هرمز.
إن محاولة بعض مراكز القوى التعتيم على هذه الحقيقة، عبر طرح فكرة فصل جماعة الحوثي عن إيران، هي فكرة ساذجة ومضللة ومتواطئة في آن واحد. فالجماعة مجرد أدوات مبرمجة بيد الملالي. وما تريده طهران هو إبقاء المنطقة في حالة توتر دائم يمنع الاستقرار والأمن.
فعدم الاستقرار هو البيئة المثالية التي تتكاثر فيها المليشيات. وهي تتعمد خلق هذه الحالة من عدم الاستقرار، مستندة على الغطاء السياسي الممنوح لها في المحافل الدولية، ومتظاهرة لخصومها بأنها تقاتل عدواً وهمياً اخترعته لنفسها، اطلقت عليه "قوى الاستكبار العالمي"؛ لاستدرار العواطف وتحويل موقف الشرعية اليمنية وداعميها من موقع القوة إلى موقع الضعف، وكأنها تقول للعالم: "نفذوا مطالبنا لنتوقف". وهذا يعني منح طهران وقتاً إضافياً ثميناً للمضي في تخصيب اليورانيوم.
أن أبجديات السياسة وأدبياتها تقول: إنه لا يمكن التفاوض مع أداة، ولا مجال لتجزئة الحل مجدداً. ومهما حاولت المليشيات تجميل وجهها، فستبقى جماعة رجعية، مكروهة ومحتقرة داخلياً وخارجياً، ولن تستطيع نزع كراهية اليمنيين لها من قلوبهم؛ لأنها قتلت أبناءهم، ونهبت مدخرات بلدهم ورواتبهم، وفجرت بيوتهم، وزرعت ألغامها على مساحات شاسعة من اراضي بلدهم الخصبة.
ذلك لإن سلوك طهران وأذرعها ثابت منذ أربعة عقود: تضرب عسكرياً ثم تعود للتفاوض، تستثمر الوقت لإعادة التموضع وكسب أوراق جديدة. اليوم ضغط عسكري عبر المليشيات في هرمز وباب المندب، وغداً ضغط اقتصادي عبر النفط، وبعد غد ضغط نووي عبر التخصيب، وكلها تجاوزات صارخة للخطوط الحمراء.
لذلك، فإن الاستراتيجية الصحيحة يجب أن تكون معاكسة تماماً لإيقاع طهران، وأن تقوم على ثنائية: تمهّل سياسي، وتعجّل عسكري. التمهل السياسي يعني عدم الانجرار إلى مفاوضات عبثية تمنح المليشيات وقتاً إضافياً لإعادة التموضع وتكديس السلاح. أما التعجل العسكري فيعني استخدام القوة الضاربة لتحقيق تقدمات على الأرض؛ فهي ضعيفة عسكرياً ومعنوياً، ودحرها يكون بضربها في المكان والزمان اللذين لا تتوقعهما.
يجب ألا تعرف الجماعة أي خصم تواجه اليوم، وذلك بجعلها تواجه نسخاً متعددة في آن واحد: نسخة تقصف جواً بلا توقف، وأخرى تتقدم براً بلا هوادة، وثالثة تحاصر بحراً بلا ثغرات، ورابعة تضرب اقتصادياً بلا رحمة، حتى تفقد القدرة على التنبؤ والتركيز. وبما يكفل استعادة الدولة بالقوة.
لقد علمنا التاريخ أن المليشيات العقائدية لا تُهزم بالحوارات، بل بالقوة القاهرة. وهناك فرق جوهري بين إظهار القوة واستخدامها؛ فالأولى ضرورية للردع، وقد استخدمتها الشرعية مراراً، والثانية ضرورية للحسم، وقد حان أوانها. فتحرير اليمن كاملاً لم يعد خياراً يمنياً فحسب، بل أصبح ضرورة اقتصادية وعسكرية قصوى لتأمين الطاقة والملاحة، وتأمين الجزيرة والخليج والعالم، من مخاطر المد الصفوي الذي يريد إلحاق أكبر قدر من الضرر بالمنطقة عبر البوابة اليمني
ة.
* (المصدر أونلاين)