حتى اللحظة، لم تصدر المملكة العربية السعودية موقفاً رسمياً بمستوى التحول الخطير الذي أحدثته سيطرة مليشيات الحوثي على مساحات واسعة من الساحل الغربي ووصولها إلى باب المندب.
ويبدو أن الرياض ما تزال في طور تقدير خطوتها التالية، من خلال اتصالات وتحركات دبلوماسية مع دول الإقليم والمجتمع الدولي، قبل حسم ما إذا كانت ستتجه نحو خيار الردع العسكري، أم ستبحث عن مسارات أخرى لاحتواء التصعيد.
غير أن المشكلة أن المتغيرات على الأرض تتحرك أسرع من الدبلوماسية، وأن كل يوم يمر يمنح إيران ومليشياتها فرصة إضافية لتثبيت واقع عسكري جديد عند الحدود الجنوبية للمملكة وفي البحر الأحمر.
وفي هذا التوقيت تحديداً، تكتسب الأحاديث عن تقارب واتفاقيات جديدة بين إيران وأبوظبي على هامش مؤتمر الهند دلالة سياسية تستحق التوقف أمامها. فهي، وإن لم تكن دليلاً بذاتها على وجود تنسيق بشأن أحداث الساحل اليمني، تطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة التحولات الإقليمية الجارية، خصوصاً مع ما يظهر في كتابات بعض النخب الإماراتية من تشفٍّ واضح بما تتعرض له السعودية وتصعيد في الخطاب تجاهها.
وهنا تجد المملكة نفسها أمام قرار استراتيجي يتجاوز إدارة أزمة عابرة. فالتهديد لم يعد محصوراً في جبهة يمنية؛ بل بات يمتد من مليشيات إيران في اليمن جنوباً إلى أذرعها في العراق شمالاً، فيما أصبحت الملاحة والطاقة في البحر الأحمر جزءاً من دائرة الاستهداف.
والخطر الأكبر ليس عسكرياً وحده، بل يتعلق بهيبة الدولة وقدرتها على الردع. فحين تتمكن جماعات مسلحة مرتبطة بقوة إقليمية معادية من استهداف دولة بحجم السعودية ومصالحها ومنشآتها وممراتها الحيوية دون كلفة رادعة، فإن المعركة تنتقل تدريجياً من اختبار الحدود إلى اختبار مكانة الدولة نفسها.
والتاريخ يعلمنا أن تآكل هيبة الدول لا يبدأ دائماً بسقوط أراضيها، بل يبدأ عندما يقتنع خصومها بأن تهديدها ممكن، وأن رفع كلفة المواجهة عليها أسهل من دفع ثمن الاعتداء عليها.
كما أن التعامل مع إيران ومليشياتها بمنطق احتواء خلاف سياسي تقليدي يتجاهل طبيعة المشروع الذي تواجهه المملكة. فالصراع بالنسبة إلى طهران وأذرعها لا يقوم على تضارب مصالح عابر فحسب؛ بل يحمل بعداً أيديولوجياً واستراتيجياً عميقاً، ويستهدف إضعاف النفوذ السعودي وإعادة تشكيل ميزان القوة في المنطقة.
ومن هنا تصبح مراجعة السياسة السعودية في اليمن ضرورة استراتيجية عاجلة: إعادة ترتيب الأولويات، وتمكين الدولة اليمنية من استعادة دورها، وبناء قيادة عسكرية موحدة، وإنهاء تعدد مراكز القرار والتشكيلات والولاءات، والتعامل مع بؤر الفوضى باعتبارها ثغرات في الأمن اليمني والسعودي معاً.
المطلوب ليس إدارة الانقسام أو احتواءه، بل إنهاؤه لمصلحة دولة يمنية واحدة وجيش واحد وقرار عسكري واحد؛ لأن السنوات الماضية أثبتت أن الفراغ الذي تتركه الدولة لا يبقى فارغاً، وإنما تملؤه إيران ومليشياتها.
قد تكون معركة الردع اليوم مكلفة، لكن كلفتها ـ إذا كانت جزءاً من استراتيجية واضحة تعيد بناء الدولة اليمنية وتزيل مصادر التهديد ـ ستكون أقل من كلفة مواجهتها بعد سنوات وقد تحولت إيران إلى قوة ضاغطة من هرمز إلى باب المندب.
أما سياسة شراء الوقت والهدن وإدارة التوازنات، فقد قدمت التجربة نتيجتها: الوقت الذي اشترته الرياض اشترته طهران أيضاً، لكنها استخدمته لبناء الصواريخ والمسيّرات وتوسيع نفوذ مليشياتها وتغيير موازين القوة.
لهذا لم يعد السؤال: هل تستطيع السعودية الاستمرار في الاحتواء؟
السؤال الحقيقي: كم ستصبح كلفة الرد غداً إذا لم يُتخذ قرار الردع اليوم؟