في اليمن، انقلبت الموازين حتى صارت المفارقة أكثر قسوة من الحرب نفسها.
صار البقاء خارج الوطن يُقدَّم بوصفه حكمة، والبقاء في داخله يُعامل كأنه غباء.
وصار من يراقب النار من بعيد أكثر حصافة ممن يعيش تحت رمادها،
ومن يكتب عن الحرب من شرفة فندق أكثر جرأة ممن ينام إلى جوار خندقه.
في اليمن، صار القتال من خلف الشاشات بطولةً كاملة الأوصاف،
أما القتال من الخنادق فصار بحاجة إلى إثبات وطنية.
صار الذي لا يسمع دوي المدفع يشرح للذي يقف أمامه معنى الشجاعة،
والذي لم يفقد بيتاً يدرّس النازح معنى الصبر،
والذي لم يتأخر راتبه يوماً يحاضر الجندي في الانضباط،
والذي لم يمسّه غبار الجبهة يوزع شهادات البطولة والخيانة.
صار من غادر مبكراً يسمى «حصيفاً»،
ومن بقي يحمل أهله ووطنه على كتفيه يسمى «متهوراً».
صار البعيد أكثر حضوراً من القريب،
والصوت أعلى من الفعل،
والبدلة أنظف من البزة العسكرية،
والكلمة المدفوعة أغلى من الدم المجاني.
وفي هذا اليمن العجيب،
لا يُسأل أحياناً: من دفع الثمن؟
بل: من أحسن رواية الحكاية؟
من يقاتل في الخندق لا يملك وقتاً ليصنع صورته،
ومن يقاتل من الفندق يملك الوقت كله ليصنعها.
لهذا تبدو بعض تناقضات اليمن اليوم كأنها محكمة مقلوبة:
المضحي متهم،
والمنتفع واعظ،
والثابت جامد،
والمتلون سياسي،
ومن بقي مع الوطن خاسر،
ومن ابتعد عنه ناجٍ و«حكيم».
لكن التاريخ أكثر عدلاً من اللحظة.
فهو لا يسأل من كان صوته أعلى،
بل من كان أقرب إلى النار حين احترق الوطن.
ولا يحفظ أسماء الذين قاتلوا من الشرفات،
بقدر ما يحفظ الذين ثبتوا في الخنادق حين أصبح البقاء نفسه موقفاً !!