توهّم سامريّ الكهنوت وسدنته أن تحويل ذكرى المولد النبوي إلى كرنفالٍ يستحضر عِجلاً — له خُوار — وشعار، ويحشر الناس ضحى في بهرج "يوم الزينة" بمسوح القطرنة والخضرنة، واستعراض حشودٍ يستبطنون احتقارها ويصفونها بالبَعَر؛ قادرٌ على تمويه لوثة العنصرية وتأسيس وثنية سلالية جديدة على أنقاض التوحيد والعدالة. غير أن هذا الصخب لم يكن سوى ستارٍ كثيف فاحت من خلفه روائح التوظيف العرقي والتأويل الطبقي للدين ومقام النبوة؛ فقد كشف هذا التدليس القيمي لليمنيين زيف ادعاءات الطهارة واحتكار القداسة، مجسداً بصيرة البردوني حين قال: «والله والإسلام في أبواقهم بعض الدعاية»! وما كادت أصوات المآذن تصدح من كل جامعٍ بشهادة التوحيد: ألا إله، ولا سيد ولا مولى إلا الله؛ حتى تجلّت حقيقة التوحيد والمساواة غصةً في حلوق العنصريين، وتبخرت مليارات الجباية مع أوهام الخرافة لتنقلب حسرةً في قلوبهم.
ومن هنا، يغدو تفكيك أوهام السلالية وهتك أستار استثمارها للرموز الدينية واجباً معرفياً ووطنياً ينتصر لإنسانية اليمني ويسترد روح الرسالة وقيم التوحيد، وينتصر أيضاً لكرامة المنتسبين لتلك السلالة أنفسهم؛ إذ تقتضي نجاتهم التعجيل بقبر جثة العنصرية التي لم تورثهم واليمنيين سوى القتل والدمار، "وكرامة الميت دفنه". وما يجنونه اليوم من أموال السحت لن يغني عنهم شيئاً، ولن يقيَهم غضبة شعبٍ أوشك سيله أن يبلغ الزبى بعدما أُغلقت في وجهه السبل.
نكوص الهادوية إلى اليهودية والوثنية الهندية
ويزيد الأمر جلاءً ما فصّلناه في مقال سابق من إجماع الأمة بمختلف مدارسها الفقهية على رفض لوثة الاستعلاء الشيطاني العرقي باسم الاصطفاء؛ فحتى الشيعة الاثناعشرية - على تباينها العقدي مع أهل السنة - أغلقت باب "الحق الإلهي والاصطفاء العرقي المفتوح" بختم الأئمة الاثني عشر، مفسحةً المجال بعد ذلك لمبدأ المساواة الإنسانية، في حين تصر الهادوية على تأبيد الطبقية واحتكار السيادة في عرقٍ مخصوص. إن اليمنيين اليوم، وأكثر من أي وقتٍ مضى، يقفون على بينة تامة من جوهر هذا المشروع العنصري؛ فقد بدأ العقل اليمني الجمعي باستعادة مناعته، وبات هذا الوعي المتجذر يوماً بعد آخر يشكل سداً منيعاً يفضح الخرافة ويسقط أوهام القداسة.
كيف عرّى الرسي الجذور الوثنية واليهودية لعقيدة الوصية؟
ورغم اتفاق الباحثين على أن جرثومة العنصرية الكهنوتية في الاحتكار السلالي للسلطة تشكلت تطبيقياً وعسكرياً على يد يحيى بن الحسين (الهادي)، فإن هذه العقيدة تبلورت نظرياً في أواخر حياة جده القاسم الرسي خلال القرن الثالث الهجري، في سياق المنافسة مع أولاد عمهم من العلويين السنة الأدارسة والإسماعيلية.
والمفارقة الكبرى أن القاسم الرسي نفسه — في رسالتيه المخصصتين للرد على "الرافضة" — تصدى بعنف لعقيدة "الوصية" واحتكار الهداية الجيني؛ فقد استنكر دعوى النص والوصية الفردية المتسلسلة واعتبرها بدعة لا أصل لها في الإسلام: وأكد أنها جثة قديمة يعاد تجديدها باسم الإسلام.
"ما أتوا به من الضلال بقولهم في الوصية، وما عظموا على الله وعلى رسوله في ذلك من الدعوى والفرية، التي ليست لهم بها في العقول حجة ولا برهان، ولم ينزل بها من الله وحي ولا فرقان".
ثم تتبع جذورها في الوثنيات الشرقية القديمة:
"وما قالت به الرافضة في الأوصياء من هذه المقالة فهو قول فرقة كافرة من أهل الهند يقال لهم البرهمية... وأنه أوصى بنبوته إلى شيث، وأن شيثاً أوصى إلى وصي من ولده، ثم يقودون وصيته بالأوصياء إليهم، ولا أدري لعلهم يزعمون أن وصيته اليوم فيهم".
ولم يقف الرسي عند الجذر البرهمي، فقد فكك البنية اليهودية لعقائد التوريث والجبايات المالية المنحصرة في عرق مخصوص؛ يقول الرسي:
"ثم قادَ الوَصِيَّةَ قومٌ من اليهود، وزعموا أن الوصية انتهت إلى ولد داود، فجعلوا الوصية في ولد داود، وجعلوها وراثة، وزعموا أنه يرث الابن عن الأب... وهم بالعراق يُقال لهم: رأس الجالوت، يدفعون إليه خُمس أموالهم... وإذا ذُبح ثور حُمِلَ إليه درهمٌ قِفْلَةً، وثلثُ ومِئنُ كبده... وزعموا أن موسى وهارون سيرجعان إلى الدنيا فتكون لهما الدولة على المسلمين".
وحذر الرسي من الوقوع في التحريف الإسرائيلي عينه:
"تصديقاً لقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَىٰ أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾؛ فقد ارتكبت هذه الأمة ما ارتكبت بنو إسرائيل، القُذَّة بالقُذَّة، والحَذْو بالحَذْو... ورَحِمَ الله عبداً تفقَّه ونظر لنفسه قبل لقاء الله، ونظر في سِنة الماضين، وما ارتكبوا من البدع والضلالة، وما يجدون من الحق والبيان، وحذِر أن يكون كأحدهم".
التحذير الرسي: صحوة دينية أم استجابة انفعالية لعنصرية أخرى؟
هنا تبرز المفارقة الأخطر في الفكر السياسي للرسي: فالرجل الذي حذّر من الجذور اليهودية والبرهمية لعنصرية الوصية الاثناعشرية، واحتكار الهداية واحتكار القرآن، هو ذاته الذي أعاد تأسيس العنصرية باسم "اصطفاء البطنين" الممتد إلى قيام الساعة! ويتضح أن مشكلته مع النظرية العنصرية الاثناعشرية أنها أخرجته من دائرة المصطفيين الأخيار وجردته من دعوى احتكار السلطة والهداية؛ لأن نظرية الوصية الاثناعشرية حصرت أهل البيت الذين هم أهل الصفوة والطهارة والهدى بالمعصومين، ووضعت المعصومين في مقام الأنبياء لتتخلص بذلك من لوثة العنصرية الممتدة، وشعر الرسي أنه "خرج من المولد بلا حمص".
لقد نقل القاسم الامتياز السلالي من "الوراثة الآلية" إلى "الاستحقاق السلالي المشروط"؛ فبينما تحصر الاثناعشرية الإمامة في سلسلة معينة بالنص، ألغى الرسي التسمية بعد الحسن والحسين ليرفض "وراثة الإمامة الفردية"، لكنه استبدلها بـ "احتكار المجال السياسي كاملاً" داخل سلالة البطنين، تاركاً للناس أن يطلبوا الإمام في "معدنه الحصري".
فالرسي لم يهدم أصل الوصية والتسمية من جذوره؛ فهو يقرر بلا مواربة أن علياً هو الوصي المفترض الطاعة بالنص، وأن الحسنين إمامان بالتسمية والدلالة العينية من النبي ﷺ. وبذلك ينحصر خلافه مع الاثناعشرية في "مدى امتداد الوصية" لا في "مبدأ الوصاية" ذاته؛ فقد أوقف التسمية الفردية عند الحسين، ليفتح بدلاً منها باب الاحتكار العرقي المفتوح لذريتهما عبر التاريخ.
وبذلك لم ينقل الرسي الفكر السياسي من "الاحتكار إلى المساواة والحرية"، فقد نقله من "وصية فردية متسلسلة" إلى "امتياز سلالي طبقي مشروط"، وهو الأساس النظري الذي اتكأ عليه حفيده الهادي لتفجير حروبه وفرض كهنوته في اليمن.
مصادرة النص القرآني: ابتداع التأويل السلالي لتعطيل حقائق النزيل الرسالي
إن هذا التأصيل النظري المأزوم عند الجد (القاسم) سرعان ما تحول عند الحفيد (يحيى الهادي) إلى استراتيجية تأويلية فجة لمصادرة القرآن وتعطيل كلياته؛ فلو سألت اليوم طفلاً من أبناء أمة الرسالة عن دلالة قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13]، لأجاب بفطرته السليمة أن الآية تؤسس لمبدأ المساواة الإنسانية المطلقة، وتقرر أن معيار التفاضل الوحيد هو "التقوى"؛ وهو معيارٌ ديني أخروي لا ينتقص من حقوق البشر المشتركة في دنياهم، بل يهدم أوهام التمايز الطبقي والعرقي.
غير أنك إذا عرضت الآية ذاتها على كبار أعلام الهدى ومصابيح الدجى من علماء الكهنوت الهادوي، ستفاجأ بأن "الهادي" يحيى بن الحسين الرسي يصادر هذا الأفق الإنساني الرحب، زاعماً أن المعنيّ الحصري بقوله ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ هم "علي وذريته" دون سواهم! وبذلك تتحول الآية التي نزلت لنسف الامتيازات القبلية إلى وثيقة سلالية تُشرعن احتكار السلطة والثروة إلى يوم القيامة، وتُبرر قتال الرافضين لهذا الاستعلاء وسفك دمائهم ومصادرة أموالهم؛ في مفارقةٍ تجعل التنزيل وسيلةً لتقويض مقاصده الكلية.
لم يكن هذا الشطط مجرد عثرة تأويلية عابرة، فهو يمثل منهجية راسخة تقتات على "تعضية القرآن" وإفراغ عمومياته من دلالاتها اللغوية والمقاصدية، وتحريف الكلم عن مواضعه. وتكشف مراجعة «مجموع كتب ورسائل الإمام الهادي وجده القاسم» عن هذا النسق الاحتكاري:
فإذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَٰئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البينة: 7]، زعم الرسي أن الذين آمنوا هم علي وذريته، وهم وحدهم "خير البرية"!
وإذا قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: 119]، ادّعى الرسي أن "الصادقين" هم علي وذريته فحسب!
وحين يقرر القرآن ضابط الولاية الإيمانية: ﴿إِنَّ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: 34]، يصر الهادي على اختزال "المتقين" في سلالته وحدها!
وامتدت هذه المصادرة لتشمل نعيم الآخرة وجزاء الأبرار؛ فحين فسر قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5]، جعلها خاصة بالحسن والحسين وذريتهما!
ولا يقتصر السطو السلالي على آيات فضل الصحابة وأمهات المؤمنين، فهم لا يتورعون عن السطو على آيات قرآنية تتحدث عن أهل الكتاب وبني إسرائيل. وباختصار جامع: كل آية فيها ثناء على فئة في القرآن فإن المقصود بالثناء هم الذرية العلوية، وكل آية فيها وعيد مثل قوله تعالى: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ﴾ فالمقصود بالكافرين هم أعداء الولاية؛ ولسنن الله شؤون في كل من أصابتهم لعنة الاستعلاء «أنا خير منه». وقد تخيلتُ والله وأنا أطالع هذه التفسيرات أني أشاهد حلقات الفنان الكوميدي محمد الأضرعي "آية الله معرجاني".
وهنا تتجلى المفارقة المنهجية الفاضحة: فالمنظومة التي تتبجح برفض الأحاديث النبوية الصحيحة بذريعة "تعارضها مع ظاهر القرآن"، هي ذاتها التي تسحق محكمات التنزيل وعمومياته القطعية، وتستعيض عنها بمرويات سخيفة ومتهافتة وتأويلات باطنية تخدم شهوة الغلبة واحتكار السيادة ودعاوى الاصطفاء الجبري، ولا تشعر بأي خجل وهي تكفّر الأشاعرة وغيرهم بدعوى الجبرية.
واجب التطهر من جثة الماضي
إن تتبع هذه الجذور يبرهن بوضوح أن دعاوى الاصطفاء الجيني، واحتكار دلالات الوحي، ليست سوى جثة عنصرية عتيقة تناسختها الوثنيات القديمة والأديان المنحرفة عبر التاريخ باعتراف مؤسسي هذه العقيدة.
وإذا كانت الأمم المعاصرة، وحتى المجتمعات التي انحدرت من تلك الديانات القديمة، قد تحررت من هذه الموروثات الطبقية ونبذت خرافات التفوق الجيني لمصلحة المواطنة المتساوية والكرامة الإنسانية؛ فإن الأولى بأمة القرآن — التي أعلن نبيها ﷺ في حجة الوداع دفن مفاخر الجاهلية وأنسابها — أن تتطهر نهائياً من هذه الرواسب الكهنوتية.
إن استعادة روح الرسالة وكرامة الإنسان تبدأ من مواراة هذه الجثة السلالية الثرى؛ فكيف يستقيم دينٌ يدعو للعدالة والمساواة بينما يُراد له أن يُختزل في سياجٍ عرقي يجعل النسب شرطاً سابقاً على الإنسانية والكفاءة؟! إن الوعي اليمني الصاعد اليوم هو الكفيل بإسقاط هذا الوهم واسترداد فضاء التوحيد الخالص من كل دنسٍ سلالي.