لم تنتظر المخا أن يعرفها العالم؛ كان العالم يأتي إليها. حملت السفن من مينائها بُن اليمن، وانتقل اسم المدينة إلى لغات بعيدة حتى صار «موكا» اسماً للقهوة نفسها. وفي أوج ازدهارها، أقام الهولنديون وكالة تجارية فيها، ونافستهم الشركات الفرنسية والبريطانية على البن والامتيازات التي يمنحها الميناء.
خرج الأوروبيون من المخا بعدما نقلوا تجارة البن وخبرتها إلى مستعمراتهم، وتحولت مسارات السوق إلى موانئ أخرى. ظل اسم المدينة على فناجين العالم، وبدأ الميناء يفقد الوظيفة التي صنعت مجده.
تعاملت الدولة القاسمية مع المخا مورداً للخزانة. تدفقت الرسوم الجمركية وعائدات البن إلى مركز الحكم في المرتفعات، وبقيت المدينة أضعف من أن تحمي التجارة التي صنعت ثروة الأئمة. كانت المدافع الأجنبية تصل إلى الساحل كلما أرادت شركة أوروبية خفض الرسوم أو انتزاع امتياز جديد. قصف الفرنسيون المخا في القرن الثامن عشر لهذا الغرض، ثم قصفتها قوة بريطانية سنة 1820 وفرضت على الإمام في العام التالي اتفاقاً خفّض الرسوم ومنح رعايا بريطانيا امتيازات أوسع.
كان المال يصعد من الساحل إلى المرتفعات، وتبقى المخا بتحصينات لا توازي قيمتها. نظر الأئمة إلى الميناء بوصفه جمارك بعيدة، وتراجع اهتمامهم به حين انحسرت إيراداته. ورثت الأنظمة الجمهورية جانباً كبيراً من هذه العلاقة؛ تطورت عدن والحديدة، وانكمشت المدينة التي منحت اسمها للبن، وصارت وعود إحياء مينائها تظهر كلما استدعت السياسة الحديث عن البحر الأحمر ثم تختفي حين يبدأ حساب الكلفة.
عاش السكان في مدينة ذات شهرة عالمية وخدمات محدودة. وكان عليهم أن يحتملوا ما تضيفه الطبيعة إلى إهمال السلطة؛ فالرياح تهب محملة بغبار السهل التهامي، والحرارة والرطوبة تثقلان الهواء معظم العام. صمود أهل المخا خبرة تكونت خلال قرون من انحسار التجارة وتقلب الحكم، وصارت جزءاً من علاقتهم بمدينة يعرفون أن بقاءها يقع على عاتقهم.
دخلت مليشيا الحوثي المخا عام 2015 ضمن اندفاعها نحو الساحل، فأمسكت بموقع مقابل لجزيرة ميون وقريب من باب المندب. ضرب التحالف مواقعها، واستعادت القوات اليمنية المدينة مطلع 2017 في عملية «الرمح الذهبي»، بمشاركة تشكيلات جنوبية كانت ألوية العمالقة أبرزها. تراجعت المليشيا شمالاً، وانكسر في المخا اندفاعها نحو المضيق.
جاء طارق صالح إلى الساحل الغربي بعد انهيار التحالف الذي جمع معسكر عمه علي عبدالله صالح بمليشيا الحوثي منذ اجتياح صنعاء عام 2014. كان طارق أحد أبرز القادة العسكريين في ذلك المعسكر، وشارك من موقعه في الحرب التي خاضها الحليفان ضد الحكومة المعترف بها دولياً، قبل أن تنتهي شراكتهما باشتباكات ديسمبر 2017 ومقتل صالح. وفي 2018 أعاد طارق، بدعم إماراتي، تجميع ضباط وجنود من الحرس الجمهوري السابق ضمن المقاومة الوطنية، واتخذ من المخا قاعدة امتد حضورها إلى الخوخة وحيس وجزيرة ميون. ومع انضمامه إلى مجلس القيادة الرئاسي عام 2022، اكتسبت المدينة ثقلاً سياسياً يضاف إلى موقعها العسكري.
بدأ الميناء يستعيد نشاطه، وعادت السفن ونشأت حولها أعمال وخدمات، كما ظهرت مشروعات لتوسعة الرصيف وتعميق الغاطس. كانت المخا تسترد وظيفة قديمة حجبتها عنها تحولات التجارة وإهمال الحكم. وحين بدأت المدينة تجد طريقها إلى البحر من جديد، وصلت إليها صواريخ المليشيا.
تعرض الميناء خلال أيام لأكثر من 25 صاروخاً، وفق مديره عبدالملك الشرعبي، وقُتل سبعة من أفراد أمن المنشآت وموظفي الميناء. توقف النشاط التجاري والملاحي، وفقد نحو 1300 عامل مصادر دخلهم، وقدرت الخسائر المباشرة بنحو 16 مليون دولار. وقع القصف على قلب المدينة الذي بدأ ينبض بعد غياب، فوصل أثره من الرصيف إلى البيوت التي بنت رزقها على عودة السفن.
يرى ديفيد كيلكولن، في كتابه «الخروج من الجبال: عصر مقاتل المدن القادم»، أن الصراعات تتجه نحو مدن ساحلية مترابطة، تتحول فيها المدينة إلى ميدان للحرب ومصدر للقوة. وتمنح المخا هذا التصور مقياساً يمنياً مصغراً؛ فميناؤها يتصل بباب المندب عبر جزيرة ميون، وتتمركز فيها قوة عسكرية على مقربة من جبهة مفتوحة. لذلك يصيب القصف شبكة المدينة كلها، حيث تتداخل حياة السكان مع حركة الميناء وحسابات الساحل.
تشكّل المخا قاعدة الانتشار العسكري جنوب الحديدة، ويمنح اتصالها بميون القوات الموجودة فيها موقعاً لمراقبة جزء من المجال البحري وإسناد عمليات الإنقاذ قرب المضيق. ويمتد حضور تلك القوات شمالاً عبر الخوخة وحيس، فتواجه مليشيا الحوثي خصماً قريباً من أهم ممتلكاتها الاقتصادية والعسكرية على البحر الأحمر.
تمثل الحديدة رأس مال المليشيا على الساحل؛ فمن موانئ الحديدة والصليف ورأس عيسى تحصل على الإيرادات ومنفذ الاستيراد، وتستخدم الشريط الساحلي في عملياتها البحرية. وقد وصلت القوات المشتركة إلى أطراف مدينة الحديدة عام 2018، ثم أوقف اتفاق استوكهولم الهجوم وجمّد خطوط القتال. تعثرت ترتيبات إعادة الانتشار، واحتفظ الحوثيون بالمدينة وموانئها، قبل أن تنسحب القوات المشتركة أواخر 2021 من مناطق واسعة جنوب المحافظة.
استقر خط المواجهة بين حديدة تسيطر عليها المليشيا ومخا تحتضن قوة أُنشئت لقتالها. بقيت المسافة بين المدينتين داخل حسابات الطرفين، وجاء القصف الأخير ليصل إلى قاعدة الخصم القريب ويدفعه إلى حماية عمقه. فالمخا، في نظر الحوثيين، أرض خسروا موقعها عند باب المندب، ثم شاهدوا قوة معادية تنمو فيها وتقترب من خاصرتهم الاقتصادية في الحديدة.
ظهر اتصال البحر بالمدينة في الهجوم على سفينة الشحن «تهامة» قرب جزيرة ميون. أصابت الصواريخ السفينة وقتلت أربعة من طاقمها، ثم استهدفت عملية الإنقاذ فسقط اثنان من أفراد المقاومة الوطنية. امتدت النار من السفينة إلى منقذيها، ثم جاء قصف الميناء الذي تستند إليه القوة العاملة قرب المضيق. دخلت السفينة وميون والمخا في ميدان واحد، وهو الميدان الذي تحاول المليشيا إبقاءه مضطرباً من مواقعها على اليابسة.
تنتشر القطع البحرية الدولية في الممر لاعتراض الصواريخ والمسيّرات، غير أن مناطق الإطلاق تبقى على البر اليمني. تستطيع السفن الحربية إسقاط بعض المقذوفات بعد خروجها، وتدمر الغارات منصة أو مخزناً، ثم تنقل المليشيا أدواتها وتعيد المحاولة. تكشف هذه الدورة حدود القوة القادمة من البحر أمام جماعة توزع سلاحها في جغرافيا واسعة وتستطيع اختيار لحظة الإطلاق.
كتب جوليان كوربيت في «بعض مبادئ الاستراتيجية البحرية» أن «السيطرة على البحر لا تعني سوى السيطرة على المواصلات البحرية، تجارية كانت أم عسكرية». وما تملكه مليشيا الحوثي عند باب المندب هو القدرة على تعطيل هذه المواصلات ورفع كلفتها. لا تمنحها الصواريخ سيطرة بحرية، ويكفي خطرها المتقطع لإبعاد السفن وزيادة التأمين وإجبار الموانئ القريبة على التوقف. ومن هنا تكتسب المخا قيمتها؛ فهي موضع بري يحد من اقتراب المليشيا من المضيق، وقاعدة يمنية تقع بين مناطق إطلاقها وخط الملاحة.
سبق للمليشيا أن اختبرت أثر هذا النوع من القوة ضد موانئ الضبة وقنا والنشيمة أواخر 2022، فتوقفت صادرات النفط من دون أن تتقدم نحو حقول حضرموت وشبوة. غادرت الناقلات، وخسرت الحكومة أهم مصادر النقد الأجنبي، وانتقلت الخسارة إلى الرواتب والخدمات وسعر العملة. منحت تلك التجربة الحوثيين نموذجاً لتعطيل اقتصاد خصومهم بضربات محدودة، وأدخلت الموانئ والمنشآت النفطية اليمنية ضمن بنك أهدافهم كلما أرادوا توسيع الضغط.
تؤدي المليشيا هذه الوظيفة داخل شبكة النفوذ التي بنتها إيران في المنطقة. تمسك طهران بخطر مضيق هرمز من أراضيها، ويوفر لها حليفها اليمني أداة اضطراب عند باب المندب. تحتفظ إيران بمسافة عن الضربة وتستفيد من أثرها، فيما يدفع اليمن الكلفة في موانئه وموارده وما تبقى من مؤسسات دولته. وتبقى المليشيا قوة منفلتة قادرة على تكرار ما فعلته بالمخا والضبة ضد أي منشأة يمنية لا تحميها قوة ردع فعلية.
تتجاوز قصة المخا حدود المدينة. دخلت مليشيا الحوثي المدن التي سيطرت عليها بالمشرفين والجبايات وأجهزة القمع، ووصلت إلى المدن التي قاومتها بالصواريخ والمسيّرات والألغام. صمدت مأرب فاحتفظت الجمهورية بموضع سياسي وعسكري في الشمال، وحافظت تعز على مساحتها المدنية رغم الحصار، وخرجت عدن من قبضة المليشيا. أما المخا، فحفظت لليمن موضعاً عند باب المندب.
هزمت المخا مليشيا الحوثي أول مرة عام 2017، حين أُخرجت من المدينة وتراجعت شمالاً. وتراكمت الهزيمة الثانية في السنوات التالية، مع عودة السكان ونمو القوة التي تتخذ من المدينة قاعدة لها واستعادة الميناء صلته بالعالم. لم تمنح الصواريخ الحوثيين ما خسروه على الأرض؛ منحتهم قدرة على القتل والتعطيل من مسافة بعيدة.
صمدت المخا بأهلها قبل أن تصمد بجدرانها. عاشوا حرّها وغبارها، وشاهدوا البحر يمنح مدينتهم الثروة ويحمل إليها المدافع. أخذ الأئمة عائدات الميناء وفرطوا في حمايته، وورثت الأنظمة التالية إهماله، ثم جاءت المليشيا بصواريخها حين بدأ يستعيد عافيته.
تستطيع الصواريخ تعطيل الرصيف وإبعاد السفن لبعض الوقت. ويبدأ رد المدينة من بقاء أهلها فيها واستئناف ما أوقفه القصف. في المخا، تقاس الهزيمة الثانية للمليشيا بعجز نيرانها عن تحويل ما تطاله إلى أرض تستعيدها.
المصدر: بران برس