حين بلغتُ الخمسين، وجدت قلبي يرقّ على الشباب والمراهقين، وأصبحت ألتمس لهم الأعذار وأدعو لهم أن يقويهم الله ويحميهم من الفتن.
أدركت أن سنّهم صعب ومرهق، فليست قوتهم الجسدية دليل راحة، بل إنهم في دوامة من التناقضات والضغوط، كما قيل قديمًا: "الشباب شعبة من الجنون."
أتذكر أيامي في عمرهم.. كنت أظن أني العاقل الوحيد، وأن الكبار متخلفون.
لا أعطي لنصائحهم أي اعتبار، فكل ما عندي هو الصواب، أما هم ففي خطأ بيّن.
كانت أفكاري مشتعلة، ومشاعري كبركان، وسلوكياتي اندفاعًا لا يعرف حسابًا. واليوم حين أنظر إلى الوراء، أبتسم وأستغفر الله على ذلك الغرور.
علم النفس يؤكد ما نعيشه جميعًا في تلك المرحلة: الشباب يبحث عن هويته، يواجه ثورة عاطفية تشتعل في داخله، يرفض وصاية الكبار ليبني استقلاليته، ويعيش تحت ضغط الرغبة في التجريب والمغامرة.
ليس جنونًا حقيقيًا، لكنه اندفاع طبيعي يجعلهم يتصرفون وكأن العاطفة تقودهم أكثر من العقل.
وقد قالوا أيضًا: "الفراغ والشباب والجِدّة مفسدة للقلب."، أي أن اجتماع العمر الفتي مع المال والوقت الفارغ قد يفتح أبواب الفتنة.
لهذا، واجبنا نحن الكبار أن نرحم الشباب، نلتمس لهم الأعذار، نوجّههم باللين، ونكثر من الدعاء لهم.
ولا نخطئ خطأ متكرراً وهو أن نبدأ معهم من حيث انتهينا نحن؛ فلا نخاطبهم بوعي الأربعين والخمسين وكأنهم يعيشونه، بل نتذكر أننا كنا يومًا في عمرهم، نرى ما يرون، ونحس بما يحسون.
الشباب طاقة جبارة إن وُجّهت صارت قوة بناء، وإن أُهملت تحولت إلى نار هوجاء.
فلنكن سندًا لهم لا سوطًا عليهم، ولنمنحهم رحمة التجربة بدل قسوة اللوم.