إلى الشرعية اليمنية: أظن أن أكبر خطأ وقعتم فيه خلال كل هذه السنوات أنكم حولتم صنعاء من مدينة إلى عقيدة سياسية، وصار كل شيء مؤجلا إلى يوم العودة إليها. بناء نموذج في المناطق المحررة مؤجل، الرواتب مؤجلة، المؤسسات مؤجلة، بناء جيش وطني حقيقي مؤجل، القضاء مؤجل، حتى فكرة الدولة نفسها كأنها وضعت في صندوق وأغلق عليه، وقيل لليمنيين: سنفتحه عندما نعود إلى صنعاء.
حسنا.. ماذا سيحدث في اليوم التالي للعودة؟
هل سيستيقظ سكان عدن وقد عادت إليها الكهرباء؟ هل سيستعيد الريال قيمته؟ هل سيظهر جهاز إداري كفؤ فجأة من أحد أنفاق نقم؟ هل ستختفي المحسوبية وتقاسم الدولة كغنيمة، ويتوقف نهب المال العام، ويعرف المسؤول أن منصبه وظيفة عامة لا غنيمة؟
هذه ليست سخرية. نحن نتحدث عن أعمار كاملة مضت، جيل دخل الحرب شابا وبدأ الشيب يطل عليه، وما زال يسمع الوعود نفسها. والأكثر غرابة أن المواطن ينتظر الدولة، بينما يبدو أن بعض المسؤولين ينتظرونها معه.
الوظيفة العامة ليست كرسيا يجلس عليه الإنسان ثم يقضي وقته كله وهو يحرسه. المسؤولية معنى أثقل من ذلك. أن تستيقظ كل صباح وأنت تعرف أن خلف اسمك آلاف الناس، وأن تقصيرك لا يبقى في ملف إداري، وإنما يتحول إلى بيت بلا كهرباء، وموظف بلا راتب، وطالب يغادر الجامعة، ومريض لا يجد مستشفى قادرا على علاجه.
ومع ذلك ظل نقد الشرعية في اليمن مشكلة بحد ذاته. كلما قلت إنها فشلت في شيء، خرج من يسألك فورا: هل أصبحت حوثيا؟ وكأن اليمني مطالب بأن يختار بين فشل سلطة وانتهاكات مليشيا، ثم يصمت عن أحدهما حتى يثبت موقفه من الآخر. نحن ضد الحوثي لأنه استولى على الدولة بالسلاح، وهذا بالضبط ما يجعلنا أكثر تمسكا بأن تكون السلطة التي تقف في الجهة الأخرى دولة فعلا، لا مجرد اسم معترف به في الخارج.
والمشكلة أن كثيرا من المناطق المحررة أديرت بمنطق تقاسم النفوذ أكثر مما أديرت بمنطق تأسيس الدولة. كل طرف أخذ جزءا من الجغرافيا أو المؤسسة أو القرار، فصار لدينا مسؤولون كثيرون وسلطة قليلة، وحكومات تتغير بينما البنية التي تنتج الفشل تبقى كما هي.
أعرف أن الشرعية لم تعمل في ظروف طبيعية، وأن قرارها لم يكن مستقلا بالكامل، وأن الحرب أكلت الموارد، لكن هذا يفسر جزءا من الفشل ولا يعفي منه. فالقيادة لا تختار الظروف التي تعمل فيها، وإنما تقاس بما استطاعت أن تنتزعه من الممكن داخل المستحيل. وبعد كل هذه السنوات كان يمكن أن توجد مدينة واحدة، أو مؤسسة واحدة، أو قطاع واحد، يستطيع اليمني أن يشير إليه ويقول: هنا نجحت الدولة.
صنعاء مدينة عزيزة، فيها تاريخنا وذاكرتنا وأهلنا، لكن المشكلة أننا حملناها أكثر مما تحتمل. صنعاء ليست اليمن كله، وليست خزينة البلاد، ولا ميناءها، ولا موقعها التجاري الأهم. مدينة محاطة بالجبال، ظل سكانها أنفسهم يبحثون طوال عقود عن فرص خارجها، فكيف تحول الوصول إليها إلى مفتاح سحري سيحل كل عقد اليمن دفعة واحدة؟
وكان أمامكم، ولا يزال، بلد مترامي الأطراف: المهرة، حضرموت، شبوة، مأرب، أبين، عدن، أجزاء واسعة من تعز، المخا، وموانئ وسواحل وثروات وموقع على واحد من أهم طرق الملاحة في العالم.
كان يمكن أن يولد في واحدة من هذه المناطق نموذج مختلف تماما، مدينة جديدة، أو مركز إداري واقتصادي على الساحل، لا يحمل أمراض المركز القديم، ولا يبقى رهينة للجبل والقبيلة وشبكات النفوذ التي خنقت الدولة لعقود. العالم يعيد التفكير في مدنه، يقترب من الموانئ، ويربط العمران بالتجارة والمطارات وشبكات النقل، أما نحن فلدينا بحر طويل وموقع يحسدنا عليه كثيرون، ومع ذلك ظل خيالنا السياسي عالقا داخل جبل نقم.
وربما يحتاج اليمن القادم إلى إعادة التفكير في مركزه السياسي والاقتصادي كله، بحيث لا تبقى الدولة محشورة داخل مدينة واحدة، ولا يؤدي سقوط العاصمة إلى سقوط البلد معها.
كان يمكن أن تقولوا لليمنيين: تعالوا، هذه هي الدولة التي نتحدث عنها. هنا موظفون يتقاضون مرتباتهم بانتظام. هنا شركة تستطيع أن تعمل دون أن تزور عشرة مكاتب أمنية. هنا المواطن لا يحتاج إلى شيخ حتى يدخل مؤسسة. هنا الوزير يعرف أن الوزارة ليست ملحقا ببيته، وأن وظيفة المدير العام ليست منحة لصديق أو قريب.
لم يكن المطلوب أن تصنعوا سنغافورة في زمن الحرب. كان يكفي أن تصنعوا فرقا يراه الناس بأعينهم. مدينة واحدة فقط، لو حدث ذلك لكانت المقارنة قد دخلت صنعاء قبل أن تدخلها جيوش الشرعية.
وهنا تحديدا أخطأتم حين فصلتم بين بناء الدولة ومعركة استعادتها، كأن الخدمات شيء مؤجل إلى ما بعد الحرب، وكأن الحرب تخاض بالبندقية وحدها. أفضل سلاح كان يمكن أن تمتلكه الشرعية هو أن يعيش اليمني في مناطقها حياة أفضل من اليمني تحت سلطة الحوثي. عندها تصبح الكهرباء موقفا سياسيا، والراتب رسالة، والقضاء قوة، وتتحول الدولة نفسها إلى عامل جذب داخل مناطق الحوثيين من دون أن تطلق رصاصة واحدة.
المواطن الذي يعيش تحت سلطة الحوثي لا يحتاج إلى بيان سياسي حتى يغير رأيه، يحتاج أن يرى شيئا آخر. أن يرى موظفا في الجهة الأخرى يحصل على راتبه، ومدينة تعمل فيها الكهرباء، ومحكمة يمكن الوثوق بها، ومسؤولا يقال بسبب الفساد
النموذج يهزم الجماعات أكثر مما تفعل الخطب، وكان المطلوب من الشرعية طوال هذه السنوات أن تثبت لليمنيين أنها أكثر أهلية لحكم اليمن، لا أن تكتفي بأنها الطرف المعترف به دوليا. وربما تكون هذه هي المعركة التي لم تبدأ بعد، لأنكم بدل أن تحولوا المناطق التي تحت أيديكم إلى برهان على الدولة، تعاملتم معها كأنها جغرافيا مؤقتة، غرفة انتظار طويلة حتى يأتي اليوم الذي تعودون فيه إلى صنعاء. وهنا المشكلة: من لا يستطيع أن يبني دولة في عدن، لن يكتشف سر بنائها فجأة عندما يدخل صنعاء، ومن لم يعرف كيف يدير ميناء أو مؤسسة أو وزارة حيث يملك النفوذ والاعتراف والموارد، فلن تمنحه جبال صنعاء شهادة جديدة في الإدارة العامة.
لذلك ابدؤوا من المكان الذي تقفون فيه إذا كنتم فعلا رجال دولة، ابنوا مدينة يستطيع اليمني أن يرى فيه الفرق بين الدولة والمليشيا، أعيدوا للوظيفة العامة معناها، واجعلوا المسؤول يعرف أن المنصب مسؤولية ثقيلة وليس امتياز شخصي، وأن الشرعية ليست قرارا دوليا نرفعه في وجه خصومنا كلما فشلنا، وإنما حياة أفضل يستطيع الناس أن يروها ويلمسوها.
صنعاء ستعود يوما إلى اليمن، بالحرب أو بالسلم، لكن السؤال الذي يستحق أن يقلقكم حقا ليس متى تعودون إليها، وإنما ماذا بنيتم في اليمن بينما كنتم تنتظرونها؟!.