ليست كل حقيقة يجوز إعلانها، وليست كل معلومة صحيحة تصلح للنشر.
فهناك فرق جوهري بين حق المجتمع في المعرفة، وبين واجب الدولة في حماية أمنها الوطني. وإذا كانت مؤسسات الدولة المدنية تُدار وفق مبدأ الشفافية، فإن المؤسسات العسكرية تُدار وفق معادلة أكثر تعقيدًا، قوامها تحقيق التوازن بين الشفافية والانضباط والسرية، لأن المعلومة في العمل العسكري ليست مجرد خبر، بل قد تتحول إلى عنصر من عناصر القوة أو الضعف.
ومن هذا المنطلق، فإن الهدف الذي أعلنته وزارة الدفاع والمتمثل في حماية حقوق منتسبي القوات المسلحة وضمان وصول مرتباتهم إلى مستحقيها مباشرة، هو هدف وطني مشروع يستحق التأييد، بل إنه يمثل خطوة إيجابية في مسار مكافحة أي تجاوزات مالية.
غير أن مشروعية الهدف لا تعفي من الالتزام بالقواعد التي تحكم الخطاب العسكري الرسمي.
فالبيان لم يقتصر على إعلان اعتماد آلية جديدة لصرف المرتبات، وإنما تجاوز ذلك إلى كشف تفاصيل تتعلق بآليات العمل الداخلية، وإجراءات التمام اليومي، والخصومات، والعلاقة بين القيادة العليا وبعض قادة الوحدات، بل تضمن إقرارًا رسميًا بوجود رفض لتنفيذ التوجيهات، وإساءات موجهة إلى القيادة، واستخدام أوضاع الجبهات وسيلة للضغط.
وهنا يبدأ الجانب الأخطر.
إن المعلومة العسكرية لا تُقاس بخطورتها عند نشرها منفردة، وإنما بما يمكن أن تضيفه إلى الصورة الكاملة التي يعمل الخصم على بنائها.
ولهذا تقوم أجهزة الاستخبارات الحديثة على ما يعرف بتحليل المصادر المفتوحة (Open Source Intelligence)، حيث لا تعتمد على التجسس وحده، بل تجمع البيانات المنشورة رسميًا، ثم تربط بينها لتكوين صورة دقيقة عن أوضاع المؤسسات العسكرية، ومستوى الانضباط، وطبيعة العلاقة بين القيادات، ومواطن القوة والضعف.
ومن هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو:
إذا كانت هذه المعلومات تصدر من أعلى سلطة عسكرية في الدولة، فما الذي بقي لخصوم الجيش ومنتقديه؟
إن أخطر ما في البيان أنه منح الخصوم وثيقة رسمية يمكن الاستناد إليها عند الحديث عن أوضاع المؤسسة العسكرية، بعد أن كان أي حديث من هذا النوع يُصنف في إطار الادعاءات أو الحرب الإعلامية.
فالفارق كبير بين أن يزعم الخصم وجود خلافات داخل الجيش، وبين أن يجد في بيان رسمي صادر عن وزارة الدفاع ما يستند إليه.
ولهذا لم تجعل التشريعات العسكرية حماية الأسرار مقتصرة على الخطط القتالية أو تحركات الوحدات، وإنما أحاطت الوثائق والمعلومات العسكرية بحماية خاصة، إدراكًا من المشرع أن أمن القوات المسلحة لا يقتصر على ميدان المعركة، بل يشمل أيضًا كل ما يتعلق ببنيتها التنظيمية وآليات عملها وانضباطها الداخلي. كما أن التشريعات اليمنية المتعلقة بأسرار الدفاع وقانون الجرائم والعقوبات العسكرية تؤكد أهمية صون المعلومات العسكرية من التداول غير الضروري، حمايةً للمصلحة العامة، حتى وإن لم تكن كل معلومة معلنة ترقى قانونًا إلى وصف “السر العسكري”
المسؤولية القانونية لا تبدأ عند ارتكاب الجريمة فحسب، وإنما تبدأ قبل ذلك بواجب التحفظ، وهو مبدأ راسخ في الجيوش الحديثة، يفرض على القائد العسكري أن يزن كلماته بميزان الأمن الوطني قبل أن يزنها بميزان الرأي العام.
ولهذا لم تتردد دول تمتلك أعرق المؤسسات العسكرية في اتخاذ إجراءات بحق قادة كبار بسبب تصريحاتهم العلنية، لا لأنهم أفشوا أسرارًا عملياتية بالضرورة، وإنما لأن الدولة رأت أن التصريح العسكري جزء من منظومة الأمن والانضباط.
فالولايات المتحدة أعفت الجنرال دوغلاس ماك آرثر، أحد أشهر قادتها العسكريين في القرن العشرين، بعد أن رأت أن تصريحاته العلنية أصبحت تمس وحدة القرار العسكري والسياسي. كما أُعفي الجنرال ستانلي ماكريستال من قيادة القوات الأمريكية وقوات الناتو في أفغانستان عقب تصريحات اعتُبرت ماسة بالانضباط المؤسسي والعلاقة بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية. ولم تكن القضية تتعلق بخسارة معركة، بل بإدراك الدولة أن الكلمة الصادرة عن القائد العسكري قد تكون، في بعض الظروف، ذات أثر استراتيجي لا يقل خطورة عن القرار الميداني.
ان الجيوش الـمحترفة لا تبني هيبتها بالسلاح وحده، وإنما تبنيها كذلك بطريقة إدارة المعلومات.
فالخلافات، إن وجدت، تعالج داخل غرف القيادة، أما البيانات الرسمية فوظيفتها تعزيز الثقة، لا كشف تفاصيل الخلافات، لأن المؤسسة العسكرية ليست طرفًا في سجال إعلامي، وإنما هي الركيزة الأخيرة للدولة.
ولا ينبغي أن يُفهم هذا النقد على أنه اعتراض على إصلاح آليات صرف المرتبات أو حماية حقوق العسكريين، فذلك مطلب مشروع، وإنما المقصود هو التأكيد على أن الوسيلة لا تقل أهمية عن الغاية، وأن حماية حقوق المقاتلين يجب أن تسير جنبًا إلى جنب مع حماية هيبة المؤسسة التي ينتمون إليها.
إن قوة الجيش تبدأ من قوة صورته أمام شعبه، وهيبته أمام خصومه.
ولهذا فإن الكلمة التي تصدر عن أعلى هرم القيادة العسكرية ليست مجرد تصريح إعلامي، بل رسالة استراتيجية، وقد تكون ــ من حيث لا يُقصد ــ أكثر نفعًا لخصوم الجيش من عشرات البيانات التي يصدرونها هم.
فالمؤسسة العسكرية ليست ملكًا لقائد، ولا لوزير، ولا لمرحلة سياسية عابرة، وإنما هي ملك للوطن، وكل ما يُقال باسمها يجب أن يخضع لميزان القانون، ولحسابات الأمن القومي، ولمقتضيات السرية العسكرية، لأن هيبة الجيوش لا يحميها السلاح وحده… بل يحميها أيضًا الانضباط في الكلمة قبل الانضباط في الميدان.