قال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إن إدارته أوقفت أعنف ضربة كانت تستهدف إيران بطلب من المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات. ويعكس ذلك، بلا شك، حرصًا خليجيًا على تجنيب المنطقة حربًا واسعة قد تكون كلفتها باهظة على الجميع.
غير أن المشكلة لا تكمن في حرص دول الخليج على تجنب الحرب، وإنما في طبيعة المشروع الإيراني الذي تواجهه.
ففي قناعتي، لم تكن المواجهة مع إيران يومًا مجرد خلاف سياسي أو نزاع حدودي يمكن أن تنهيه هدنة أو وساطة أو اتفاق مؤقت. إنها حرب بدأت منذ قيام النظام الإيراني عام 1979، عندما أعلن مشروعه القائم على تصدير الثورة وتوسيع النفوذ خارج حدوده. وعلى مدى سبعة وأربعين عامًا، لم يكن هذا المشروع مجرد شعارات سياسية، بل ترجمته سياسات عملية، ودعمٌ للمليشيات، وتدخلاتٌ عسكرية وأمنية، وتصريحات متكررة صدرت عن مسؤولين إيرانيين وقيادات مرتبطة بمحورهم الإقليمي، تضمنت طموحات تتجاوز حدود إيران إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، ووصلت في بعض المحطات إلى الحديث عن المكانة الدينية والسياسية للمملكة العربية السعودية، بما يعكس اتساع سقف هذا المشروع وأهدافه.
ومن هنا، فإنني أرى أن هذه الحرب لن تتوقف إلا بأحد مسارين: إما سقوط المشروع الإيراني أو تراجعه تراجعًا جذريًا يفقده القدرة على مواصلة التوسع، وإما استمراره في التمدد وفرض معادلات جديدة على حساب أمن دول الخليج والمنطقة إذا لم يواجه بما يوقفه.
أما الهدن، فلا أراها سوى محطات مؤقتة في حرب طويلة، تمنح إيران فرصة لإعادة تنظيم قدراتها، وترميم أدواتها، وتحسين شروط الجولة التالية، دون أن تغيّر شيئًا من طبيعة المشروع أو أهدافه.
ولذلك، لا أعتقد أن القيادة الإيرانية تنظر إلى المبادرات الخليجية لخفض التصعيد باعتبارها مبادرات حسن نية تستهدف إنهاء الصراع، بل تتعامل معها – في تقديري – من منطلق موازين القوة، وتفسرها باعتبارها رغبة في تجنب المواجهة المباشرة، وهو ما تسعى إلى استثماره لكسب الوقت، وإعادة ترتيب أولوياتها، وتعزيز موقعها السياسي والعسكري استعدادًا للمراحل التالية.
وما يعزز هذه القراءة استمرار الخطاب المتشدد الصادر عن المسؤولين الإيرانيين حتى في ظل المساعي الدبلوماسية. فالتصريحات التي حملت لهجة التهديد والتحذير تجاه دول المنطقة لم تتوقف، بل تواصلت حتى في ذروة الحديث عن التهدئة. وكان آخرها، بحسب ما نقلته وسائل إعلام إيرانية، الرسائل التي حملها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في اتصالاته، والتي عكست استمرار لغة الضغط لا لغة التسوية، وهو ما يؤكد – في تقديري – أن التهدئة لم تغيّر طبيعة الخطاب الإيراني ولا أهدافه الاستراتيجية.
إن جوهر الصراع، كما أراه، لا يتعلق بجولة قصف بين الولايات المتحدة وإيران، ولا بجولة تفاوض في عاصمة ما، بل بمشروع إقليمي ذي أبعاد سياسية وعسكرية وعقائدية يسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة. ولهذا، فإن وقف الضربات لا يعني انتهاء الحرب، كما أن الهدنة لا تعني انتهاء المشروع.
ولهذا أقول إن السلام لا يُصنع بمجرد إيقاف جولة من القتال، وإنما بتغيير المعادلة التي أنتجت المشروع الإيراني منذ بدايته. وما دامت تلك المعادلة قائمة، فإن الهدن ليست نهاية للحرب، بل فاصلة زمنية بين جولتين منها. وأعتقد أن الجولة القادمة ستكون الأكثر حسماً في تاريخ هذا الصراع؛ لأنها لن تحدد نتائج معركة عسكرية فحسب، بل ستحدد أي المشروعين سيبقى حاضرًا في المنطقة: مشروع الدولة الوطنية العربية، أم المشروع الإيراني العابر للحدود كما يراه أنصاره وخصومه على السواء ..