ليست كل البيوع تكتب في دفاتر التجار، فثمة صفقات لا تبرم في الأسواق، وإنما في الضمائر. وهناك أثمان لا تدفع بالذهب، وإنما تقتطع من رصيد الكرامة..
في هذا الزمن الذي تتقاطر فيه دماء الأطفال من نشرات الأخبار، وتفيض فيه الأرض بأكفان الصغار، وتضيق السماء من كثرة الدخان، يقف بعض الناس أمام المأساة لا ليسأل: كيف أنصر المظلوم؟ بل ليسأل: كم ستدفعون؟.
أي سقوطٍ هذا الذي يحول صرخة الثكلى إلى فرصة، وأنين الجريح إلى صفقة، ومآسي الشعوب إلى فاتورة تكتب بالساعة؟.
ما أقسى أن يصبح الدم بندا في عقد استشاري، وأن تتحول القضية إلى تسعيرة، وأن يقاس الموقف بعدد الأصفار التي تسبق علامة العملة..
إن المال في ذاته لا يعاب، فقد جعله الله قياما للناس، ولكن المال حين ينتزع من سياقه الأخلاقي يتحول من نعمة إلى فتنة، ومن وسيلة إلى صنم، ومن خادم للإنسان إلى سيد يجره من عنقه..
وليس أخطر على المثقف من أن يعبد هذا الصنم وهو يظن أنه لا يزال حرا!.
لقد عرف العرب قديما رجالا جاعوا ولم يبيعوا مواقفهم، وعرفوا نساء ضربن أروع الأمثلة في صيانة الكرامة، حتى خلدوا في الذاكرة قصة المرأة الحميرية التي فضّلت أن تعضها المجاعة على أن تأكل بثدييها، لأن الإنسان قد يخسر قوته ويستبقي شرفه، أما إذا خسر شرفه فلن يغنيه ما امتلأت به خزائنه..
هكذا كانت الموازين.. أما اليوم، فقد اختلطت الموازين حتى صار بعض الناس يحسب قيمة الكلمة كما يحسب الصراف سعر العملات، فإذا ارتفع الرقم ارتفع الحماس، وإذا تضاعف المقابل تضاعفت المبادئ المرنة..
أي مأساة أن يبلغ الابتذال بالموقف أن يقال: ساعة بكذا، وست ساعات بكذا، وإن زدتم في الأجر زدنا في الحديث. وكأن القضية ليست شعبا يذبح، بل سيارة تؤجر، أو مكتبا يستأجر. إن القلم الذي يعتاد عد الأوراق النقدية قبل أن يخط الكلمات، لن يكتب تاريخا، وإنما سيكتب إيصالات قبض..
العالم، على اختلاف لغاته وأديانه، يشهد موجة واسعة من المقاطعة، لأن هناك من أدرك أن بعض المواقف لا تقاس بحسابات الربح والخسارة، وأن الامتناع عن خدمة من تحمله مسؤولية المأساة موقف أخلاقي قبل أن يكون موقفا سياسيا..
وفي الجهة الأخرى، يخرج من يحول الموقف إلى مزاد.
لا يسأل: هل يليق؟ بل يسأل: كم؟ ولا يقول: هذا وقت الانحياز للضحايا، بل يقول: هذا وقت رفع السعر..
وهكذا، لا يعود المال أجرة على وقت، وإنما يصبح ثمنا لموقف كان ينبغي أن يبقى خارج البيع والشراء..
إن التاريخ لا يكتب أسماء الذين قبضوا أكثر، وإنما يكتب أسماء الذين رفضوا أكثر. ولا يخلد من عرفوا أسعار الأشياء، بل من عرفوا قيمتها..
فالأشياء تشترى بالمال، أما المواقف فلا ينبغي أن يكون لها سعر. لأن اللحظة التي يصبح فيها للضمير ثمن… هي اللحظة التي يفقد فيها كل قيمة..