;
د. عادل دشيلة
د. عادل دشيلة

المنطقة العربية ومستقبلها في ظل التحولات الجيوسياسية 269

2026-08-03 01:42:02

تمر المنطقة العربية بمرحلة شديدة التعقيد، إذ تحولت إلى ساحة لتنافس وصراعات عسكرية إقليمية ودولية متشابكة. فقد شهدت المنطقة تصاعدًا في المواجهات بين إسرائيل وإيران، إضافة إلى الصراع بين إسرائيل وعدد من جماعات ما دون الدولة في بعض الدول العربية، مثل اليمن ولبنان. كما شهدت غزة إبادة جماعية على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي لم يشهدها العالم على مدى العقود الماضية. وفي سوريا، استمرت إسرائيل في تنفيذ عمليات عسكرية متكررة بزعم إنشاء نطاق أمني خارج حدودها. وفي المقابل، تشهد منطقة الخليج استمرار الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، حيث امتدت تداعيات هذا الصراع إلى عدد من الدول العربية، عبر استهداف المصالح الأمريكية ومصالح دول الخليج والأردن. وأيضا توجد محاولات متكررة من أطراف إقليمية ودولية لتوسيع دائرة الصراع وجذب دول عربية جديدة إلى هذه المواجهات.

وفي الحقيقة، لا يمكن فهم الصراعات الحالية بمعزل عن التحولات التي بدأت منذ نهاية الحرب الباردة، مرورًا بحرب الخليج الأولى، ثم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وما نتج عنه من تغيرات في توازنات القوة الإقليمية. فقد أدى ضعف مؤسسات الدولة في بعض الدول العربية إلى صعود جماعات ما دون الدولة المرتبطة بإيران. وتمكنت هذه الجماعات بدعم إيراني من توسيع نفوذها في أربع عواصم عربية رئيسية هي بغداد وصنعاء وبيروت ودمشق. ولكن، شهدت هذه المعادلة تغيرات خلال السنوات الأخيرة؛ إذ خرجت سوريا من دائرة النفوذ الإيراني التقليدي بعد تحريرها بالكامل في نهاية 2024 وسقوط نظام الأسد، كما تعرض حزب الله في لبنان لضربات كبيرة من قبل إسرائيل، بينما تواجه جماعة الحوثي في اليمن تحديات داخلية وإقليمية غير مسبوقة.

وفي ظل الصراعات الإقليمية المتداخلة، والأزمات الاقتصادية، وانتشار الفساد، وضعف قدرة الأنظمة العربية على بناء نظام أمني إقليمي مستقل، أصبحت المنطقة العربية محل اهتمام متزايد من القوى الدولية بسبب موقعها الاستراتيجي وأهميتها الاقتصادية، خصوصًا فيما يتعلق بالطاقة والممرات البحرية والتجارة العالمية. وخلال العقد الماضي، ظهرت عدة مشاريع لإعادة تشكيل خريطة الاقتصاد والملاحة في المنطقة، حيث برز مشروع طريق الحرير الصيني ضمن مبادرة الحزام والطريق. وظهرت مبادرات أخرى تهدف إلى إنشاء ممرات اقتصادية وتجارية جديدة، مثل الممر الذي يجمع بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، والذي يعكس التنافس الدولي على إعادة تعريف طرق التجارة العالمية. وفي السياق ذاته، أطلق الاتحاد الأوروبي عام 2021 مبادرةGlobal Gateway بهدف تعزيز الشراكات والاستثمارات في عدة مجالات منها النقل والرقمنة... إلخ في إطار محاولة أوروبية لتعزيز حضورها الاقتصادي والاستراتيجي عالميًا.

وبالتوازي مع التحولات الإقليمية، شهدت المنطقة خلال العقود الماضية بروز مشاريع انفصالية وحركات تطالب بإعادة رسم الحدود السياسية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك مطالب بعض القوى الكردية بالانفصال، ومشروع أرض الصومال، إضافة إلى النزعات الانفصالية في جنوب اليمن، فضلًا عن حركات أخرى. وتشير هذه الظواهر إلى أحد أخطر التحديات التي تواجه الدولة الوطنية العربية، والمتمثل في إمكانية إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة وفقًا لتوازنات القوى الدولية والإقليمية الجديدة. وفي ظل الحديث المتزايد عن مرحلة ما بعد النظام الدولي الحالي، تسعى العديد من القوى الدولية والإقليمية إلى بناء استراتيجيات جديدة تتناسب مع التحولات القادمة. كما ظهرت محاولات إقليمية لتشكيل ترتيبات أمنية جديدة، من بينها الحديث عن تحالفات محتملة تضم دولاً مثل مصر وتركيا والسعودية وباكستان بهدف تعزيز الأمن الإقليمي، إلا أن هذه المشاريع ما تزال في إطار النقاش ولم تتضح فرص نجاحها أو استمراريتها.

ويمكن القول إن التحديات التي تواجه المنطقة العربية في المرحلة المقبلة تتمثل في التالي: تفكك الدولة الوطنية وإعادة رسم الخريطة السياسية حيث أن ضعف بعض الدول العربية وظهور قوى مسلحة خارج إطار الدولة مؤشر على احتمال استمرار الضغوط لإعادة تشكيل النظام السياسي والجغرافي في المنطقة، إذا لم يتم التعامل مع هذه الجماعات بحسم. كما أن استمرار نفوذ جماعات ما دون الدولة يمثل تحديًا مباشرًا لاستقرار الدول وسيادتها. إضافة إلى ذلك، فإن عدم امتلاك الدول العربية تصورًا استراتيجيًا مشتركًا للتعامل مع إسرائيل وإيران أدى إلى تحول هاتين القوتين إلى فاعلين رئيسيين في النظام الإقليمي، بينما أصبحت بعض الدول العربية تتعامل معهما من خلال سياسات منفردة بدلًا من إطار عربي جماعي، وهو ما جعل الموقف العربي ضعيفا. كما أن غياب منظومة أمن عربية متكاملة دفع العديد من الدول إلى الاعتماد على القوى الدولية، وهو ما يحد من قدرة العرب على التأثير المستقل في مستقبل المنطقة.

ختامًا، رغم استمرار الولايات المتحدة في لعب الدور المركزي في النظام الدولي الحالي، فإن قدرتها على الحفاظ على هذا الدور لعقود قادمة تواجه تحديات كبيرة، خصوصًا في ظل صعود الصين وتزايد المنافسة بين القوى الكبرى. ولا يعني ذلك بالضرورة تراجع القوة الأمريكية عسكريًا، وإنما يشير إلى تراجع قدرتها على حسم العديد من الملفات الدولية، الأمر الذي يؤثر في ثقة بعض الحلفاء في قدرتها على إدارة النظام العالمي. وفي المقابل، هناك قوى صاعدة، مثل الهند وتركيا، تسعى إلى تعزيز مكانتها في أي نظام دولي مستقبلي. وهنا يبرز السؤال الأساسي: أين سيكون موقع العالم العربي في النظام الدولي القادم؟ وهل سيكون فاعلًا في صياغته أم سيظل تابعًا لتوازنات القوى الكبرى؟ وفي هذا السياق، تحتاج الدول العربية اليوم إلى بلورة رؤية استراتيجية مشتركة للتعامل مع التحولات الجارية، تبدأ بالحفاظ على الدولة الوطنية ومنع انهيارها، ووضع آليات واضحة للتعامل مع جماعات ما دون الدولة، وبناء تصور موحد لحسم الصراع مع القوى الإقليمية التي تحاول الهيمنة على المنطقة العربية، بما يضمن احترام سيادة الدول العربية ومصالحها. أيضا، يتطلب الوضع اليوم، الانتقال من الاعتماد على الحماية الخارجية إلى بناء منظومة أمن عربية قادرة على حماية المصالح العربية، لأن غياب المشروع العربي الجماعي قد يجعل المنطقة عرضة لمزيد من التدخلات الخارجية وإعادة تشكيلها وفق مصالح الآخرين، وهو ما لا يتمناه أي عربي.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد