قبل فجر الأربعاء، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية عن استهداف الحرس الثوري الإيراني لقاعدة عسكرية في الأردن. وبينما كانت شاشة "الجزيرة" تغطي المستجدات، سأل المذيع خبيرًا إيرانيًا من طهران عن تعليقه، فكذّب الرواية الأمريكية، مستبعدًا أن يُقدم الحرس الثوري على هذه الخطوة في ظل هدنة قصيرة وخفض للتصعيد يدخل يومه الثالث. وحين حاصره المذيع بسؤال افتراضي عن المسؤولية، قال الخبير ساخرًا: "ربما تكون إسرائيل هي من قصفت!". لم يكد يتنفس الصعداء حتى قاطعه المذيع بنبأ عاجل عن التلفزيون الإيراني ينفي المقذوف.. لكن الشواهد اتخذت منحنى آخر بعد ساعات قليلة، حين خرج الحرس الثوري رسميًا ليتبنى الهجوم الصاروخي!
هذا التناقض الصارخ في الرواية الرسمية الإيرانية يفتح بابًا واسعًا من التساؤلات، خاصة وأنه جاء في توقيت حيوي متزامن مع فترة خفض التصعيد المخصصة للدبلوماسية والوساطات، وفي خضم زيارة نتنياهو الثامنة للبيت الأبيض؛ وهي الزيارة التي أحاطها البرود والغموض وغاب عنها المؤتمر الصحفي المعتاد، بعد تصريحات مفاجئة لترامب لشبكة "فوكس نيوز" اتهم فيها نتنياهو بمحاولة توريط واشنطن في حرب طويلة ضد إيران.
الارتباك الإيراني بين النفي الصريح، والتلميح لإسرائيل، ثم التبني المتأخر، لا يمكن عزله عن تصريحات وزير الخارجية عباس عراقجي قبل أيام، والتي كشف فيها صراحة عن وجود "ثغرات أمنية" تسببت في مقتل المرشد ولا تزال قائمة.
تصريحات عراقجي طرحت علامات استفهام غامضة حول مصير مجتبى خامنئي، حيث شبهه "بالطائر الأخضر" الذي يتحدث عنه الجميع دون أن يراه أحد.
عراقجي، كشف أن رفض الحرس الثوري لخطة التفاوض بعد عشرة أيام من الحرب كان السبب وراء مقتل وزير الاستخبارات وعلي لاريجاني. وهو ما يعزز الفرضية المرعبة: هل قُتل مجتبى هو الآخر؟ أم أنه نفسه يمثل إحدى هذه الثغرات الأمنية التي تخترق أروقة القرار؟
هذا التصعيد الإيراني المباغت في وقت الهدوء، يطرح تساؤلاً جوهريًا: هل يخدم هذا السلوك مصالح طهران بالفعل؟ أم أن صمت نتنياهو وغموض زيارته الأخيرة يشيران إلى وجود طرف آخر يستغل تلك الثغرات، ويمسك بخيوط اللعبة لتحويل إيران ذاتها إلى مجرد ورقة في صراع إقليمي معقد؟
ارتدادات الميدان.. اليمن والعراق ومصر وغزة!
تتجلى خطورة هذه الثغرات في ارتداداتها السريعة على ساحات المنطقة:
في اليمن: كان من المقرر تنفيذ صفقة تبادل الأسرى الشاملة بين 11 و13 يوليو الحالي، والتي كانت تصبُّ في صالح الحوثيين عبر الإفراج عن نحو ثلثي الأسرى، وتُشكل بوابات واسعة نحو السلام والحلول الاقتصادية لإنقاذ اليمنيين من مجاعة خنقَت البلاد. لكن إعلان التعبئة العامة المفاجئ وتدخل الطيران الإيراني نسَف الاتفاق وخرق هدنة استمرت أربع سنوات. فما مصلحة الحوثيين من إفشال صفقة ملحة كهذه؟ هل كان قرارًا سياسيًا طهرانياً، أم امتدادًا لهذه الثغرة الأمنية الغامضة؟
في العراق: دخلت المليشيات التابعة لإيران على خط المواجهة ضد السعودية قبيل زيارة مرتقبة لرئيس الوزراء العراقي إلى الرياض يوم الخميس. هذا التصعيد أدى إلى إلغاء الزيارة، واستفز الرياض لتنفيذ قصف مشترك استهدف معسكرات تلك المليشيات، وأسفر عن مقتل عناصر من الحرس الثوري الإيراني.
في مصر: امتدت شرارة القصف لتسجل أول استهداف مباشر لمصالح مصرية، ما يرفع منسوب المخاطر ويضع علامات استفهام جديدة حول مسار هذه الأزمة.
ملف غزة: تجاهلت إيران الأوضاع في غزة نهائيا في مذكرة التفاهم التي وقعها الرئيسان الإيراني والأمريكي قبل أيام.
الأسبوع الماضي عُقد اجتماع مصري سعودي قطري تركي، في القاهرة حول الأوضاع في غزة.
كانت تصريحات المسؤولين للدول الأربع تؤكد أن الحرب الإيرانية صرفت الاهتمام الدولي عن المعاناة الإنسانية غير المسبوقة التي تعيشها غزة!.
سواء كانت هذه التطورات ناتجة عن استراتيجية إيرانية متعمدة تعتمد سياسة "حافة الهاوية" لتحسين شروط التفاوض، أو كانت نتيجة اختراق وغياب للرؤية في مركز القرار الإيراني، فإن النتيجة واحدة شديدة الخطورة. لقد اندفع الحوثيون إلى مغامرة انتحارية في ظل وضع اقتصادي يمني يمر بأحلك ظروفه، بينما تقف المنطقة بأكملها على شفا انزلاق محتوم نحو حرب شاملة.