;
علي العقيلي
علي العقيلي

ما الذي يخشاه الحوثي في مطارح الريان؟ 368

2026-07-19 04:32:28

لم يعد النكف القبلي في مطارح الريان بمحافظة الجوف مجرد حدث قبلي عابر، بل تحول إلى قضية سياسية واجتماعية فرضت نفسها على المشهد اليمني، بعد أن استحوذت على جانب كبير من الخطاب الإعلامي والسياسي لجماعة الحوثي، وأعقبها خطاب لعبدالملك الحوثي دعا فيه إلى الاحتشاد الشعبي، في خطوة ربطها مراقبون بتداعيات النكف أكثر من ارتباطها بأي تطور ميداني آخر.

ويطرح هذا التطور سؤالاً رئيسياً: لماذا أثار النكف القبلي كل هذا الاهتمام لدى الجماعة، رغم أنه لا يمثل قوة عسكرية بحجم القوات الحكومية أو التحالف العربي أو حتى القوى الإقليمية التي خاضت معها مواجهات خلال السنوات الماضية؟

قضية صغيرة.. وتداعيات كبيرة

بدأت القضية، وفق ما هو متداول، عندما استجارت ميرا صدام بالشيخ حمد بن فدغم، مطالبةً بمناصرته لاستعادة منزلها وممتلكاتها التي تقول إن القيادي الحوثي فارس مناع استولى عليها. ومن الناحية النظرية، كان بالإمكان احتواء القضية في بدايتها باعتبارها نزاعاً على ملكية خاصة، إلا أن طريقة التعاطي معها أدت إلى اتساعها، لتتحول من قضية فردية إلى نكف قبلي واسع، ثم إلى قضية رأي عام.

ويرى مراقبون أن الجماعة تعاملت مع الملف بمنطق فرض الأمر الواقع، معتقدة أن تجاهل المطالب أو تقديم معالجات أحادية سيكون كافياً لإنهائه، غير أن النتيجة جاءت معاكسة، حيث اكتسبت القضية بعداً قبلياً واجتماعياً، وأصبحت تمثل، بالنسبة لكثيرين، قضية كرامة قبل أن تكون قضية أملاك.

القبيلة.. نقطة القوة ونقطة القلق

يختلف النكف القبلي عن المواجهة العسكرية التقليدية. فالجيوش يمكن التعامل معها في إطار الحرب والسياسة، أما الحراك القبلي فهو ينشأ من داخل المجتمع نفسه، ويعكس تغيراً في المزاج الشعبي، وهو ما يمنحه تأثيراً يتجاوز قدراته العسكرية.

وخلال سنوات الحرب، بنت جماعة الحوثي جزءاً من خطابها السياسي على إظهار نفسها باعتبارها تحظى بحاضنة اجتماعية واسعة، واستخدمت الحشود الجماهيرية لإثبات ذلك. لذلك فإن ظهور حشد قبلي واسع يحمل موقفاً مناهضاً لها يمثل تحدياً لهذه الرواية، ويثير تساؤلات حول طبيعة التأييد الشعبي الذي تستند إليه.

دروس التاريخ اليمني

لفهم حساسية الجماعة تجاه النكف القبلي، قد يكون من المفيد العودة إلى التاريخ اليمني، الذي يوضح أن القبائل كانت على الدوام أحد أهم الفاعلين في تشكيل السلطة أو تغييرها.

shape3

فالإمامة الزيدية، التي حكمت أجزاء واسعة من اليمن لقرون، واجهت في مراحل مختلفة انتفاضات وتمردات قبلية أسهمت في إضعاف نفوذ عدد من الأئمة، وكانت القبائل عاملاً حاسماً في ترجيح موازين القوى بين المتنافسين على الحكم.

وعقب قيام ثورة 26 سبتمبر 1962، لم يكن انتصار النظام الجمهوري قائماً على الجيش وحده، بل لعبت القبائل دوراً محورياً في تثبيت الجمهورية خلال سنوات الحرب، وأصبحت شريكاً أساسياً في معادلة السلطة.

كما أن الحكومات اليمنية المتعاقبة، بما فيها نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، تعاملت مع القبائل باعتبارها شريكاً لا يمكن تجاوزه، وسعت إلى إدارة العلاقة معها عبر التوازنات والتحالفات، إدراكاً منها أن الصدام المفتوح معها يحمل مخاطر كبيرة على استقرار أي سلطة.

هل أخطأ الحوثي في تقدير الموقف؟

تشير المعطيات إلى أن الجماعة ربما لم تتوقع أن تتطور القضية بهذا الشكل، خاصة أنها جاءت في مرحلة ركزت فيها خطابها على الملفات الإقليمية، وقدمت نفسها لاعباً مؤثراً في الصراع الدائر في المنطقة.

غير أن التجربة أظهرت أن الملفات المحلية قد تكون أكثر تأثيراً من القضايا الخارجية عندما ترتبط بحقوق المواطنين وكرامتهم، وأن تجاهلها قد يمنحها زخماً اجتماعياً يصعب احتواؤه لاحقاً.

كما أن الجماعة تواجه، وفق هذا التحليل، معضلة معقدة؛ فالتراجع الكامل في القضية قد يُفسر على أنه رضوخ لضغط قبلي، بينما الاستمرار في الموقف الحالي قد يؤدي إلى اتساع دائرة الاحتقان، وربما يشجع على ظهور تحركات مشابهة في مناطق أخرى.

خطاب عبدالملك الحوثي.. رسائل إلى الداخل

جاء خطاب عبدالملك الحوثي، الذي دعا فيه إلى الاحتشاد الشعبي، بعد اتساع النكف القبلي في الريان، وهو تزامن دفع مراقبين إلى اعتبار أن جزءاً من الخطاب كان موجهاً إلى الداخل، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة واحتواء الأثر المعنوي الذي أحدثه النكف، إلى جانب رسائله الإقليمية المعتادة.

ويشير محللون إلى أن الجماعة تدرك أن أي تحرك قبلي واسع، إذا اكتسب زخماً مجتمعياً، قد يصعب التعامل معه بالوسائل التقليدية، لأنه يستند إلى روابط اجتماعية متجذرة في المجتمع اليمني، وليس إلى تنظيم سياسي أو تشكيل عسكري يمكن عزله بسهولة.

خلاصة المشهد

بعيداً عن تفاصيل القضية التي فجرت النكف، فإن ما يجري في مطارح الريان يعكس أهمية العامل القبلي في اليمن، ويؤكد أن القبيلة لا تزال رقماً صعباً في المعادلة السياسية والاجتماعية. كما يعيد التذكير بأن كثيراً من التحولات التي شهدها اليمن عبر تاريخه بدأت من قضايا محلية صغيرة، قبل أن تتحول إلى أحداث تركت آثاراً عميقة في مسار السلطة والصراع.

ولهذا، فإن أهمية النكف القبلي في الريان لا تكمن في حجمه العسكري، وإنما في رمزيته، وفي الرسائل التي يحملها بشأن العلاقة بين السلطة والمجتمع، ومدى قدرة القضايا المحلية على إعادة تشكيل المشهد السياسي عندما تتحول إلى قضية رأي عام.

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد