الأحزاب السياسية ليست كيانات جامدة منغلقة تعيش على هامش حركة الحياة والمجتمع، بل هي مشاريع وأفكار وسياسات تتطور بقدر ما تقترب من الناس ومن نبض الشارع وتنجح بقدر ما تتصالح مع متطلبات الدولة الحديثة وتستوعب تحولات الواقع والانفتاح العصري.
في الذكرى الرابعة عشرة لتأسيس حزب الرشاد بدا المشهد مختلفا عن كثير من الصور الذهنية التي ارتبطت طويلا بالتيارات السلفية والأحزاب ذات المرجعية الدينية.
لهذا لم تكن الذكرى 14لتأسيس حزب الرشاد اليمني مجرد احتفال حزبي عابر لإثبات حضور، بل بدت وكأنها إعلان سياسي عن مرحلة جديدة مختلفة ورسالة متغيرة رسالة تقول إن الحزب يريد أن يقدم نفسه من خلال خطابه وممارساته لا من خلال النظرة السوداوية التي تنظر للتيارات السلفية نظرة تقليدية وبنمط واحد.
ظهر حزب الرشاد اليمني في تعز بمظهر الحزب المدني الحديث من خلال الخطاب الوطني والشعارات الحزبية الوطنية بعيدا عن التنطع بالشعارات الأيديولوجية المتشددة ظهر الحزب بمظهر تنظيم سياسي مدني يتحدث بلغة الدولة والجمهورية والشراكة الوطنية والوحدة الوطنية.
قدم حزب الرشاد في احتفائيته اليوم في تعز رسالة سياسية مهمة مفادها أن الانتماء إلى مرجعية إسلامية سلفية لا يعني الانعزال عن المشروع الوطني والهوية الوطنية الجامعة وأن العمل الحزبي يمكن أن يجمع بين الثوابت الدينية ومتطلبات الدولة المدنية القائمة على المؤسسات والتعددية والديمقراطية والاحتكام إلى الدستور والقانون.
لعل من الرسائل التي لفتت انتباهي وقد تكون لفتت انتباه الكثيرين في احتفائية الذكرى 14 لتأسيس حزب الرشاد لم يكن القدرة على التنظيم ولا الخطاب السياسي فحسب، بل الرسائل غير المباشرة التي حملها الحزب حيث بدا أكثر انفتاحا على محيطه السياسي وأكثر قدرة على مخاطبة مختلف مكونات المجتمع بلغة هادئة ومتزنة وهو ما جعله في خانة الأحزاب الوطنية الكبيرة الإصلاح المؤتمر الناصري.
ومن الرسائل التي استوقفتني الحضور النسائي أللافت وبمظهر يختلف عن الانطباعات والتصورات المسبقة المرتبطة بالتيارات السلفية حيث تبدو المرأة السلفية في مظهرها أقرب إلى الحالة القندهارية وكما يقال في الامثال الشعبية" ليل أسود" ظهر حضورها بصورة مدنية متزنة تجمع بين الالتزام بقيمها الدينية والمشاركة في الفضاء العام لتصبح المرأة الرشادية امرأة حزبية منفتحة منافسة للمرأة الإصلاحية والمؤتمرية بما يعكس فهما أكثر مرونة لدور المرأة في الحياة السياسية والمجتمعية.
لقد كانت الصور النمطية التي التصقت طويلا بالأحزاب السلفية تجعل كثيرين يختزلونها في الانغلاق والتشدد لكن ما عكسته احتفالية الرشاد يدفع إلى إعادة النظر في تلك التصورات وإلى تقييم الأحزاب من خلال برامجها وخطابها وممارساتها لا من خلال أحكام مسبقة أو قوالب جاهزة.
اليوم يبدو حزب الرشاد وفق ما عكسته احتفائيته أكثر اقترابا من نموذج الحزب السياسي المدني الذي يسعى إلى ترسيخ حضوره داخل المشهد الوطني العام ويؤكد أن المنافسة السياسية الحقيقية ليست في التشدد والانغلاق أو المزايدة بل في تقديم مشروع وطني يعزز الجمهورية ويحترم التعددية ويؤمن بالدولة ومؤسساتها.