في توقيت بالغ الحساسية، تتجاوز تصريحات فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي الخطاب السياسي التقليدي؛ فقد شكّلت هذه التصريحات وثيقة سياسية ودبلوماسية وأمنية تعكس رؤية الدولة اليمنية لإدارة الصراع، وتحدد بوضوح طبيعة المواجهة مع ميليشيات الحوثي وإيران، كما ترسم رسائل متعددة الاتجاهات إلى الداخل اليمني، والإقليم، والمجتمع الدولي.
لقد جاءت كلمات الرئيس العليمي في لحظة تتقاطع فيها الضغوط العسكرية والاقتصادية والإنسانية، وفي ظل استمرار الميليشيات الحوثية في توظيف معاناة المدنيين كورقة ضغط سياسية، الأمر الذي منح الخطاب بُعداً استراتيجياً يتجاوز الرد على حدث آني، ليؤكد ثوابت الدولة اليمنية بشأن السلام والسيادة والمسؤولية الوطنية.
لقد أعاد الرئيس تعريف المسؤولية عن الأزمة الإنسانية؛ حيث يؤكد فخامة الرئيس أن الدولة اليمنية قدمت جميع المبادرات الممكنة لتخفيف معاناة المواطنين في مناطق سيطرة الحوثيين، وأن الميليشيات هي من اختارت التصعيد والخراب، فإنه يعيد ترتيب السردية السياسية التي حاول الحوثيون ترسيخها خلال السنوات الماضية.
فهذه الرسالة تنقل مركز المسؤولية من الحكومة الشرعية إلى مليشيا الحوثي الانقلابية التي أدارت المناطق الخاضعة لسيطرتها بمنطق الحرب الدائمة، ورفضت كل المبادرات الاقتصادية والإنسانية التي كان يمكن أن تخفف من معاناة المواطنين.
كما تمثل هذه الرسالة تفكيكاً للدعاية الحوثية التي سعت إلى تحميل الحكومة والتحالف مسؤولية الانهيار الاقتصادي، بينما تؤكد الدولة أن العراقيل الحقيقية جاءت من سياسات المصادرة والابتزاز ورفض الحلول.
ومن أهم ما ورد في تصريحات فخامة الرئيس تأكيده أن الدولة لم تغلق مطار صنعاء يوماً، وأن الحوثيين هم من احتجزوا طائرات الخطوط الجوية اليمنية، وصادروا أموالها، وعرقلوا حركة السفر القانونية.
فمنذ سنوات حاولت الميليشيات تقديم قضية مطار صنعاء باعتبارها حصاراً تفرضه الحكومة الشرعية، بينما الواقع أن مليشيا الحوثي نفسها مارست إجراءات أحادية أضرت بقطاع الطيران المدني، وهددت أصول الناقل الوطني، وعطلت مصالح مئات الآلاف من اليمنيين.
إن إعادة التأكيد على هذه الحقيقة يخاطب المجتمع الدولي مباشرة، ويعيد توجيه الأنظار نحو الانتهاكات التي طالت مؤسسات الدولة المدنية، والتي تمثل جزءاً من سياسة أوسع تقوم على السيطرة على الموارد الوطنية واستخدامها كوسيلة للضغط السياسي.
ثانياً: رسالة فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي إلى القبائل اليمنية بعدم السماح بالزج بأبنائها في صراعات عبثية، تمثل واحدة من أهم الرسائل الأمنية في الخطاب.
فالقبيلة كانت وما تزال أحد أهم المكونات الاجتماعية المؤثرة في اليمن، وقد اعتمدت مليشيا الحوثي طوال سنوات الحرب على التجنيد القسري، والتعبئة الأيديولوجية، واستغلال الظروف الاقتصادية لدفع آلاف الشباب إلى جبهات القتال.
الرئيس هنا لا يخاطب القبائل باعتبارها طرفاً في الصراع، وإنما باعتبارها شريكاً في حماية المجتمع اليمني، ومسؤولاً عن الحفاظ على مستقبل أبنائه.
إنها دعوة لإعادة الاعتبار للهوية الوطنية فوق الولاءات العسكرية المؤقتة، ورسالة تؤكد أن أمن المجتمع يبدأ من حماية الشباب من التحول إلى وقود لمشروع لا يخدم الدولة ولا مستقبل اليمن.
فحين يقول فخامة الرئيس العليمي إن سياسة الابتزاز والتصعيد لن تجلب لليمن سوى مزيد من المعاناة، فإنه يضع إطاراً واضحاً للتعامل مع السلوك الحوثي خلال المفاوضات.
لقد أثبتت التجربة أن مليشيا الحوثي الإرهابية استخدمت الملفات الإنسانية والاقتصادية والعسكرية كأوراق ضغط متكررة، سواء فيما يتعلق بالموانئ، أو المطارات، أو الأسرى، أو المرتبات، أو الملاحة الدولية.
ومن هنا فإن الرسالة تعني أن الدولة اليمنية لن تقبل بتحويل حقوق المواطنين إلى أدوات مساومة سياسية، وأن أي عملية سلام حقيقية يجب أن تقوم على الالتزام بالقانون، لا على فرض الوقائع بالقوة.
لقد جمع فخامة الرئيس العليمي بين الحزم والانفتاح على السلام، وهو أبرز ما يميز خطاب الرئيس العليمي؛ إذ حافظ على التوازن بين تأكيد واجب الدولة في حماية السيادة الوطنية، وبين استمرار الانفتاح على خيار السلام.
فعندما يؤكد أن الدولة ستواصل واجبها الدستوري في حماية سيادتها وأجوائها، مع إبقاء يدها ممدودة لسلام عادل ينهي الانقلاب، فإنه يرسل رسالة مزدوجة.
الرسالة الأولى تؤكد أن السلام لا يعني التخلي عن مسؤوليات الدولة السيادية.
أما الرسالة الثانية فتؤكد أن الحكومة الشرعية ليست رافضة للحل السياسي، وإنما ترفض سلاماً يقوم على شرعنة الانقلاب أو تكريس سلطة السلاح.
وهذا الخطاب ينسجم مع مبادئ القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة بالأزمة اليمنية، التي تؤكد ضرورة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء السيطرة المسلحة خارج إطارها.
جاءت تصريحات فخامة الرئيس لإعادة بناء الثقة مع المجتمع الدولي، من خلال التأكيد على أن الحكومة الشرعية ما تزال الطرف الأكثر التزاماً بخيار السلام، وبالقانون الدولي، وبحماية المؤسسات الوطنية.
كما أنها توجه رسالة واضحة للشركاء الإقليميين والدوليين بأن استمرار التغاضي عن ممارسات مليشيا الحوثي، أو التعامل معها بمنطق إدارة الأزمة بدلاً من معالجتها، لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع، وتعميق الكارثة الإنسانية، وتهديد الأمن الإقليمي والملاحة الدولية.
تكشف تصريحات الرئيس الدكتور رشاد العليمي عن رؤية متماسكة لإدارة الصراع، تقوم على ثلاثة مرتكزات رئيسية: حماية الدولة، وكشف مسؤولية مليشيا الحوثي عن تعقيد الأزمة، والتمسك بسلام عادل يستند إلى إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.
وفي ظل المتغيرات الإقليمية والدولية، فإن نجاح هذه الرؤية لن يعتمد على الخطاب السياسي وحده، بل على قدرة المجتمع الدولي على الانتقال من سياسة احتواء الأزمة إلى سياسة معالجة جذورها، وفي مقدمتها إنهاء احتكار السلاح خارج مؤسسات الدولة، ودعم مؤسسات الجمهورية باعتبارها الضامن الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية لجميع اليمنيين.
رئيس الشبكة اليمنية للحقوق والحريات