;
توفيق ألحميدي
توفيق ألحميدي

قحطان.. الجريمة التي يجب أن توحد اليمنيين 375

2026-07-13 02:42:46

لم تكشف قضية محمد قحطان وحشية جماعة الحوثي وحدها، بل كشفت كذلك هشاشة النخب السياسية، وضعف الأحزاب، وانتقائية الخطاب الحقوقي، وعمق الأزمة الأخلاقية التي أصابت المجتمع اليمني خلال سنوات الحرب. فما جرى لم يكن مجرد واقعة اختطاف وإخفاء قسري انتهت بالكشف عن الوفاة أو تسليم جزء من الرفات، بل كان لحظة انكشاف واسعة ظهرت فيها الجماعة عارية من كل ادعاء ديني أو سياسي، وظهرت معها النخب والأحزاب والمجتمع أمام امتحان أخلاقي طال تأجيله.

لقد عرّت القضية جماعة الحوثي أخلاقياً وسياسياً وقيمياً. فالجماعة التي تختطف سياسياً مدنياً، وتحجبه عن أسرته، وتمنع عنه المحاكمة والزيارة، وتخفي مصيره سنوات طويلة، ثم تتعامل مع جثمانه أو رفاته بوصفه جزءاً من التفاوض، لا تتصرف كسلطة تنتمي إلى الدولة أو القانون، بل كقوة قادمة من زمن ما قبل الدولة. هنا لا يعود الإنسان صاحب كرامة وحقوق، بل يتحول جسده إلى ملك للغالب، وحياته وموته إلى سر تحتكره السلطة.

هذا السلوك أسقط عن الجماعة كل غطاء حاولت الاحتماء به. فلا خطاب ديني يمكن أن يستر جريمة الإخفاء، ولا شعار سياسي يمكن أن يبرر حرمان أسرة من معرفة مصير أبيها، ولا حرب تسمح بأن يمتد الانتقام إلى الجسد بعد الموت. إننا أمام جريمة لا تستهدف الضحية وحدها، بل تستهدف عائلته والمجتمع والذاكرة العامة، لأن الإخفاء القسري يضع الجميع في حالة ممتدة من الخوف والشك والعجز.

لكن قحطان لم يعرّ الحوثيين وحدهم، بل عرّى السياسيين الذين صمتوا طويلاً عن التعذيب والإخفاء، وتعاملوا معهما بوصفهما ملفين حقوقيين لا علاقة لهما بالسياسة. وحين أصبح الضحية صديقا أو زميلا أو قائدا حزبيا، اكتشف كثير منهم فجأة أن الإخفاء القسري قضية وطنية وسياسية وأخلاقية.

المشكلة ليست في الغضب من أجل قحطان، فهو يستحق هذا الغضب وأكثر، بل في أن آلاف الضحايا لم يحظوا بالموقف نفسه. كثير من السياسيين لم يتحدثوا عن مختفين قسراً في مأرب أو عدن أو الساحل الغربي، ولم يرفعوا أصواتهم ضد سجون القوى المدعومة من الإمارات، أو الانتهاكات عند الحدود، أو ضحايا التعذيب في مناطق الحكومة والانتقالي وبقية التشكيلات المسلحة. لقد بدا أن الجريمة لا تصبح فادحة إلا عندما تصيب شخصاً قريباً من الدائرة السياسية والاجتماعية للنخبة.

وهنا ينكشف ضعف الأحزاب اليمنية بصورة أكثر وضوحا ، فبعد سنوات طويلة من الحرب، لم ينجح أي حزب رئيسي في بناء خطاب حقوقي مبدئي يتجاوز أعضاءه وأنصاره، ظلت الأحزاب تدافع عن معتقليها، وتذكر مختطفيها، وتبكي ضحاياها، لكنها نادرا ما قدمت تصورا وطنيا شاملا لملف الاعتقال والإخفاء والتعذيب وغيرها من الانتهاكات لدى جميع الأطراف.

في تجارب دول أخرى، تحولت قضايا المعتقلين والمختفين إلى جزء من هوية الأحزاب المعارضة والديمقراطية، لا إلى ورقة موسمية. في بلدان من أمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا ، لعبت الأحزاب والقوى المدنية دورا مهما في تحويل ملف المفقودين وضحايا السجون إلى قضية مجتمع ودولة، وأصبح الكشف عن الحقيقة والمساءلة وإصلاح المؤسسات جزءً من الانتقال السياسي. أما في اليمن، فقد ظلت حقوق الإنسان هامشاً في البرامج الحزبية، وأداة تستخدم في الخصومة، لا مبدأ يلتزم به الحزب حتى تجاه خصومه.

ولم نرَ حتى الآن حزباً يمنياً كبيراً يطرح بوضوح مبادرة وطنية تقوم على إطلاق جميع المحتجزين تعسفياً، وكشف مصير جميع المخفيين قسراً، وإغلاق السجون السرية، وتمكين الأسر من معرفة الحقيقة، وفتح تحقيقات مستقلة في التعذيب والوفيات داخل أماكن الاحتجاز لدى كل الأطراف دون استثناء. هذه ليست مهمة المنظمات الحقوقية وحدها، بل مسؤولية سياسية أصيلة. فالحزب الذي يريد حكم الدولة يجب أن يوضح موقفه من الإنسان عندما يكون في قبضة السلطة، لا عندما يكون فقط في صفوفه أو قريباً منه.

تكشف القضية أيضاً أزمة المجتمع والصحافة؛ فكم من خبر عن ضحية تعذيب أو مختفٍ قسرا مرّ بلا اهتمام، بينما يتحول منشور عن شخصية معروفة إلى قضية رأي عام؟ وكما عبّر شعار "حياة السود مهمة" في أمريكا عن رفض مجتمعي عن الجريمة اين كان ضحيتها ، فإن اليمن يحتاج إلى مبدأ مماثل: حياة كل ضحية مهمة، سواءً كان معروفاً أو مجهولاً، حليفاً أو خصماً، ومن أي منطقة أو جماعة.

والأخطر أن تمتد هذه الانتقائية إلى المنظمات الحقوقية والحقوقيين أنفسهم و، فالمنظمة التي ترى ضحايا طرف وتتجاهل ضحايا الطرف الآخر لا تمارس عملا حقوقيا، بل دعاية سياسية بلغة حقوق الإنسان. والحقوقي الذي يغيّر موقفه من الجريمة بحسب هوية الجاني أو الضحية يفقد استقلاله الأخلاقي والمهني؛ لأن الحقوق لا تكون حقوقاً إلا حين تُطبّق على من نختلف معه كما تُطبّق على من نؤيده.

هنا تتحول العدالة من قيمة عامة إلى امتياز جماعي ، يصبح الضحية جديرا بالتضامن إذا كان "منا"، ومشكوكا فيه إذا كان "منهم". وهذا هو الوجه الأخطر للعصبية السياسية: أنها لا تنتج انقساما في المواقف فقط، بل تنتج أخلاقا مزدوجة، يتغير فيها الحكم على التعذيب والإخفاء بحسب الجاني والضحية.

إن التعذيب والإخفاء القسري ليسا مجرد انتهاكين قانونيين، بل اعتداء على كينونة الإنسان والمكان والزمان ، فالمختفي لا يُحرم من حريته وحدها، بل يُنتزع من الزمن الاجتماعي، وتُترك أسرته معلقة بين الأمل والفقد ، كما يتحول مكان الاحتجاز إلى مساحة خارج القانون، ويعاد تعريف الضحية والجلاد والمجتمع معاً.

لهذا لا ينبغي أن تنتهي قضية قحطان عند حدود الحزن أو بيانات الإدانة؛ فالعدالة له تبدأ بكشف الحقيقة كاملة: أين احتُجز؟ كيف مات؟ من أمر بإخفائه؟ من أشرف على ملفه؟ وأين بقية رفاته؟ لكنها لا تكتمل إلا بتحويل قضيته إلى مدخل لملف وطني شامل يطالب بكشف مصير جميع المخفيين قسرا، وإطلاق سراح كل المحتجزين تعسفيا، والتحقيق في التعذيب والوفيات داخل السجون لدى الحوثيين والحكومة والانتقالي وسائر القوى المسلحة، ويوحّد اليمنيين حول رفض الجريمة وإدانة مرتكبها، أيا كان.

لقد عرّى قحطان الحوثي، لكنه عرّى أيضا الأحزاب والنخب والصحافة والمجتمع. والسؤال الآن ليس فقط كيف مات قحطان، بل كيف سمح اليمنيون بأن تصبح هذه الجرائم مألوفة وانتقائية الإدانات أمراً عادياً، فإذا لم تتحول قضيته إلى موقف وطني شامل من كل الضحايا وكل الجناة، فإن البلاد ستبقى تدور في الدائرة نفسها: جلاد جديد، وضحية جديدة، وصمت جديد.

* (المصدر أونلاين)

الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد