إن استحقاقات الشهداء التي تؤول إلى أسرهم بعد رحيلهم لا ينبغي أن تكون محل نقاشٍ أصلًا، لأنها ليست منحةً يمنحها مسؤول، ولا امتيازًا يتفضل به وزير، وإنما هي واجبٌ تفرضه الدولة على نفسها قبل أن يفرضه عليها أحد.
فهذا دينٌ في عنق الوطن لمن بذلوا أرواحهم دفاعًا عنه.
لقد سبق الإسلام كل النظم البشرية في ترسيخ معاني الوفاء لأهل التضحية، وجعل رعاية ذوي من ضحوا من أجل الجماعة من تمام المسؤولية والأمانة. ثم جاءت القوانين الحديثة لتترجم هذا المعنى إلى حقوقٍ مقررة، لا إلى هباتٍ قابلة للأخذ والرد وفق مزاج المسؤول أو رؤيته الإدارية.
بل إن التأمل في تاريخ البشر يكشف أن أبسط الجماعات البشرية، وحتى العصابات والتنظيمات المسلحة الخارجة عن القانون، تدرك بفطرتها أن المحافظة على حقوق من يفقدون حياتهم في صفوفها، ورعاية أسرهم، ضرورةٌ لبقاء تماسكها واستمرارها. فكيف بدولةٍ يفترض أنها تقوم على القانون، وتحمل رسالة وطن، وتدير جيشًا يُطلب من أفراده أن يبذلوا أرواحهم دفاعًا عن شعبها؟
إن الجندي لا يذهب إلى المعركة لأنه يطمع فيما سيحصل عليه بعد استشهاده؛ فهو يعلم أنه لن ينتفع بشيء بعد رحيله. لكنه يقاتل وهو مطمئن إلى أن وطنه لن يخذل من سيتركهم خلفه. وهذه الطمأنينة ليست تفصيلًا إداريًا، بل هي جزء من القوة المعنوية التي تقوم عليها الجيوش.
ولهذا فإن إصلاح المؤسسة العسكرية لا يبدأ أبدًا بإثارة الجدل حول استحقاقات الشهداء، وإنما يبدأ بإعادة الاعتبار للجرحى، وإنصاف أسر الشهداء، وإغلاق أبواب الامتيازات والهدر التي يستفيد منها الأحياء دون أن يقدموا للوطن بعض ما قدمه أولئك الذين ارتقوا في ميادين الشرف.
ومن المؤسف أن يتحول الحديث عن “الإصلاح” إلى خطابٍ يطال من لم يعودوا قادرين على الدفاع عن أنفسهم، بينما ظل كثير من مواطن الخلل الحقيقي بمنأى عن أي مراجعة جادة.
فالشهداء لا يحتاجون إلى خطاباتٍ منمقة، ولا إلى كلماتٍ تُلقى في المناسبات. إنهم يحتاجون إلى دولةٍ تفهم أن الوفاء لتضحياتهم ليس فضيلةً تُحمد عليها، بل واجبٌ لا تملك التنصل منه، لأن الأمم التي تساوم على حقوق شهدائها، تساوم – من حيث لا تشعر – على مستقبلها كله
وأخيرًا…
ما يزيد هذا الجرح عمقًا أن يأتي الحديث عن استحقاقات الشهداء ممن ارتبطت مسؤولياتهم بمرحلةٍ شهدت إخفاقات عسكرية مؤلمة، وتراجعات انتهت بانحسار الجيش بعد أن كان يقف على أبواب صنعاء.
كان الأولى أن تُفتح ملفات تلك المرحلة، وأن تُراجع أسباب الإخفاق، وأن يُسأل المقصرون عن مسؤولياتهم، لا أن يتحول الشهداء إلى أول عنوانٍ يُستدعى عند الحديث عن الإصلاح.
فالذين بذلوا أرواحهم لم يكونوا سببًا في الهزائم، بل كانوا ثمنًا لمحاولة منعها. ومن أخفق في إدارة المعركة لا يملك حق الانتقاص من رمزية الذين أدوا واجبهم حتى آخر لحظة من أعمارهم.
لقد عاد كثيرون من تلك المرحلة بمناصبهم، وامتيازاتهم، ونفوذهم، أما الشهداء فعادوا إلى ربهم، وتركوا أبناءً وأرامل وآباءً يحملون وجع الفقد، ولم يطلبوا من وطنهم إلا أن يحفظ لهم ما يليق بتضحياتهم.
ولهذا فإن استحقاقات الشهداء التي تعود إلى أسرهم ليست منحةً من مسؤول، ولا امتيازًا يُتفضل به عليهم، وإنما هي دينٌ في عنق الدولة، وواجبٌ أخلاقي وقانوني ووطني لا يجوز أن يكون محل مساومة أو جدل.
فالأمم تُقاس بوفائها لمن ضحوا من أجلها، لا بقدرتها على تقليص ما بقي لأسرهم.
وسيظل الشهداء أكبر من أن يكونوا بندًا في دفاتر الترشيد، وأسمى من أن تبدأ منهم مشاريع الإصلاح .. أيها الفاشلون..