لا يمكن فهم موقع أذرع إيران في الاتفاق الأمريكي–الإيراني بمعزل عن طبيعة الدور الذي تؤديه هذه الأذرع في الاستراتيجية الإقليمية لطهران. فحزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والفصائل المسلحة في العراق، والشبكات المرتبطة بإيران في سوريا، ليست مجرد جماعات محلية متفرقة، بل أدوات نفوذ عابرة للحدود، تقوم على التمويل، والتسليح، والتدريب، والدعم السياسي والإعلامي. ومن خلال هذه الشبكة استطاعت إيران أن تمتلك قدرة على الضغط والردع والمساومة، دون أن تضطر دائماً إلى الدخول في مواجهة مباشرة، مكلفة وواضحة، مع خصومها الإقليميين والدوليين.
من هذه الزاوية، يبدو الاتفاق الأمريكي–الإيراني أقرب إلى محاولة لوقف النار منه إلى محاولة لوقف النفوذ. فالوثائق والتسريبات المتداولة حول الاتفاق تشير إلى حضور ملف الجبهات الإقليمية، وخصوصاً لبنان، لكنها لا تقدم معالجة تفصيلية لشبكة الأذرع الإيرانية ذاتها. بمعنى آخر، لا يبدو أن الاتفاق يطلب من إيران تفكيك أدواتها، أو وقف تمويلها، أو إنهاء دورها الإقليمي، بل يركز أساساً على خفض التصعيد ومنع تمدد الحرب إلى ساحات أوسع.
وهنا تكمن الثغرة الأهم: فوقف النار يمكن أن يهدئ الجبهات، لكنه لا يغيّر بالضرورة موازين القوة التي صنعتها إيران عبر سنوات طويلة. فإذا توقفت الصواريخ مؤقتاً، وبقيت مخازن السلاح، وشبكات التمويل، وقنوات التدريب، والبنية السياسية لهذه الجماعات كما هي، فإن الاتفاق لا يكون قد عالج جوهر المشكلة، بل اكتفى بتجميدها. وهذا ما يجعل أذرع إيران حاضرة في الاتفاق بوصفها مصدر تهديد يجب ضبطه، لا بوصفها بنية نفوذ يجب تفكيكها أو تقييدها جذرياً.
وتزداد حساسية المسألة مع احتمال تخفيف العقوبات أو الإفراج عن جزء من الموارد الإيرانية؛ إذ يُخشى أن يؤدي ذلك إلى منح طهران قدرة مالية أكبر على إعادة بناء أذرعها بعد فترات الاستنزاف العسكري. فالاتفاق، إذا لم يربط المكاسب الاقتصادية الإيرانية بسلوك واضح تجاه هذه الأذرع، قد يتحول من فرصة لخفض التوتر إلى فرصة لإعادة التموضع، بحيث تهدأ الجبهات علناً، بينما تستعيد شبكات النفوذ قوتها بصمت.
لذلك فإن الاختبار الحقيقي للاتفاق لا يكمن فقط في وقف إطلاق النار أو ضبط الملاحة أو إدارة الملف النووي، بل في قدرته على منع إيران من تحويل التهدئة إلى استراحة استراتيجية. فالاتفاق الذي يوقف النار ولا يوقف النفوذ قد ينجح مؤقتاً في تهدئة المنطقة، لكنه لا يضمن استقرارها. ومن هنا يمكن القول إن أذرع إيران هي “الغائب الحاضر” في الاتفاق: لا تظهر دائماً في نصوصه، لكنها ستحدد إلى حد بعيد مستقبله وصدقيته ونتائجه الفعلية.