ليس أخطر على العدالة من ظلمٍ يرتدي ثوبها.
فمواجهة الحاكم الظالم، أياً كان موقعه، تبدو في الغالب أمراً مفهوماً ومشروعاً في الوعي العام؛ فالصحافة تنتقده، والناس تتظاهر ضده، والأحزاب تعارضه، ومنظمات المجتمع المدني تراقبه، بل إن القانون ذاته يضع من الوسائل ما يسمح بمقاومة تعسفه وكشف انحرافه.
لكن ماذا لو كان الظالم قاضياً؟
هنا تبدأ الإشكالية التي تستحق نقاشاً قانونياً وفلسفياً عميقاً.
والحديث هنا ليس عن القاضي الذي يخطئ في تفسير نص، أو يختلف معه الخصوم في تقدير واقعة أو وزن دليل، فذلك جزء من طبيعة العمل القضائي، وقد وجدت درجات التقاضي لمعالجة مثل هذه الأخطاء.
أما القاضي الظالم فهو الذي يتجاوز القانون وهو يعلم، ويسيء استخدام السلطة التي منحها له القانون، وينحاز في إجراءات التقاضي، ويمنع أحد الخصوم من ممارسة حق الدفاع، ويحجب عنه ما يقدمه خصمه من مستندات ودفوع، ويتلاعب بالنصوص القانونية أو يفرغها من مقاصدها، أو يتحول عملياً إلى طرف في الخصومة بعد أن كان يفترض به أن يكون حكماً بينها.
عند هذه النقطة لا نكون أمام خطأ قضائي، بل أمام انحراف في وظيفة العدالة ذاتها.
فثمة خطأ يتسلل إلى الوعي العام حين يُنظر إلى القاضي وكأنه تجسيد للعدالة نفسها، بينما الحقيقة أن القاضي ليس العدالة، بل مؤتمن عليها.
فالعدالة قيمة أسمى من الأشخاص، وأبقى من المناصب، وأعلى من أي سلطة مهما علت.
ولهذا فإن احترام القضاء لا يعني التسليم المطلق لكل ما يصدر عن القاضي، كما أن احترام الطب لا يعني السكوت عن خطأ الطبيب، واحترام الدولة لا يعني الصمت على فساد المسؤول.
إن استقلال القضاء وُجد لحماية القاضي العادل من الضغوط، لا لحماية القاضي المنحرف من المساءلة.
فالعدالة لا تبدأ عند النطق بالحكم، بل تبدأ من أول إجراء في الخصومة؛ من حق الاطلاع، وحق الرد، وحق الدفاع، وحياد القاضي، والمساواة بين الخصوم.
فإذا سقط الحياد، سقطت معه الضمانة الأساسية التي تمنح القضاء مشروعيته الأخلاقية والقانونية.
وثمة حقيقة كثيراً ما تغيب عن النقاش، وهي أن القاضي، في نهاية المطاف، ليس سلطة فوق القانون، بل موظف عام أناط به المجتمع والدولة مهمة سامية تتمثل في تطبيق أحكام الشريعة والقانون وتحقيق العدالة بين الناس.
وما يمنح القاضي مكانته وهيبته ليس شخصه ولا صفته الوظيفية، وإنما التزامه بما أوجبه عليه القانون من حياد ونزاهة وتجرد واستقلال.
فإذا انحرف عن هذه الواجبات، أو أخل بها، أو استغل سلطته على نحو يمس حقوق المتقاضين وضماناتهم، فإن مساءلته لا تصبح اعتداءً على القضاء، بل تطبيقاً للمبدأ ذاته الذي يقوم عليه القضاء، وهو خضوع الجميع لأحكام القانون.
فلا أحد يحتج على محاسبة الوزير إذا أساء استعمال سلطته، ولا على محاسبة الضابط إذا تجاوز صلاحياته، ولا على محاسبة أي موظف عام إذا أخل بواجباته، فكيف يصبح مجرد الحديث عن مساءلة القاضي خروجاً على العدالة، بينما العدالة نفسها تقوم على مبدأ المساءلة وعدم الإفلات من المسؤولية؟
إن القاضي لا يكتسب حصانة من النقد لأنه قاضٍ، وإنما يكتسب الاحترام بقدر التزامه بالقانون الذي أقسم على تطبيقه.
ومن هنا تبدو الإجابة التقليدية: “انتظر الحكم ثم استأنف”، إجابة قاصرة عن معالجة جوهر الإشكالية.
لأن الاستئناف قد يعالج أثراً من آثار الظلم، لكنه لا يبرر السكوت على الظلم أثناء وقوعه.
فالضرر لا يبدأ عند صدور الحكم فقط، بل قد يبدأ منذ اللحظة التي يُمنع فيها المتقاضي من حقه في الدفاع، أو منذ اللحظة التي يفقد فيها ثقته بأن القاضي يقف على المسافة ذاتها من جميع الخصوم.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:
إذا كان القانون والمجتمع يمنحان الناس وسائل لمواجهة تعسف السلطة التنفيذية والحاكم والإدارة العامة، فلماذا يتحول مجرد الحديث عن الانحراف القضائي إلى منطقة محرمة، حتى عندما تكون الوقائع واضحة والاختلالات ظاهرة؟
وهل حماية استقلال القضاء تعني منع المجتمع من مناقشة الانحرافات القضائية؟
أم أن الخلط بين استقلال القضاء وحصانة القاضي من النقد هو أحد أخطر الأخطاء التي أصابت الوعي القانوني؟
إن التاريخ يعلمنا أن الطغيان لا يبدأ دائماً من القصور الرئاسية أو الثكنات العسكرية، بل قد يبدأ أحياناً من منصة قاضٍ يفقد إحساسه بأن القانون فوقه.
فالحاكم الظالم يهدد حريات الناس، أما القاضي الظالم فإنه يهدد فكرة العدالة نفسها.
ولهذا كانت خيانة القاضي لوظيفته الأخلاقية من أخطر صور الانحراف في الدولة؛ لأن المواطن حين يفقد ثقته بالحاكم يستطيع أن يعارضه، أما حين يفقد ثقته بالقضاء فإنه يفقد آخر أبواب الإنصاف السلمي.
ومن هنا فإن مقاومة الانحراف القضائي ليست دفاعاً عن مصلحة فردية، بل دفاع عن السلم الاجتماعي ذاته؛ لأن المجتمعات لا تنهار حين يكثر فيها الظلم فقط، بل حين يفقد الناس ثقتهم بوجود من ينصفهم من ذلك الظلم.
ومع ذلك، فإن الحديث عن مواجهة القاضي الظالم لا ينبغي أن يُفهم بوصفه دعوة للتحريض على القضاء أو الانتقاص من مكانته أو تجاوز مؤسسات الدولة.
فالقاضي، مهما أخطأ أو انحرف، يبقى جزءاً من مؤسسة يفترض أن المجتمع معني بحمايتها لا بهدمها.
ولهذا فإن مواجهة الانحراف القضائي لا تكون بالخروج على القانون، وإنما بالتمسك به أكثر من غيرنا.
وتبدأ هذه المواجهة بكشف مواطن الخلل والانحراف، وتوثيق المخالفات، وإثارة النقاش القانوني حولها، وتوعية المجتمع بحقوقه وضماناته، ومطالبة الجهات المختصة بممارسة دورها في الرقابة والمحاسبة والتفتيش، حتى لا يتحول الخطأ الفردي إلى ظاهرة تمس ثقة الناس بالقضاء.
فالغاية ليست التشهير بالقاضي، وإنما حماية العدالة.
وليست صناعة خصومة مع السلطة القضائية، وإنما مساعدة هذه السلطة على تصحيح أخطائها وصون سمعتها.
فالقضاء القوي ليس ذلك الذي تُخفى عيوبه عن الناس، بل ذلك الذي يمتلك الشجاعة الكافية لمواجهة تلك العيوب ومعالجتها.
إن السكوت على الانحراف بدعوى الحفاظ على هيبة القضاء لا يحمي القضاء، بل يضعف هيبته على المدى البعيد.
أما النقد الموضوعي المستند إلى الوقائع والقانون، والساعي إلى تفعيل أدوات المساءلة القانونية والمؤسسية، فهو في حقيقته دفاع عن القضاء لا عدوان عليه.
فالعدالة لا تخشى الحقيقة، وإنما يخشاها من انحرف عنها.
ومن واجهوا أنظمة كاملة بكل أجهزتها الأمنية، ووقفوا في وجه جماعات مسلحة بكل ما تملكه من قوة وسلاح، لا يمكن أن يُطلب منهم الاستسلام لقاضٍ ظالم لمجرد أنه يجلس على منصة القضاء.
فما معنى مقاومة الاستبداد السياسي إذا كان المطلوب في النهاية التسليم باستبداد قضائي؟
وما معنى إسقاط الأنظمة الفاسدة إن لم يكن الهدف بناء دولة قانون يكون فيها القضاء حصناً للمظلوم لا ملاذاً للظالم؟
إن الشعوب لا تضحي من أجل تغيير أسماء الحكام فقط، بل من أجل الوصول إلى قضاء عادل يشعر المواطن أمامه أن القانون هو السيد الوحيد.
ولهذا فإن مواجهة القاضي الظالم ليست تمرداً على القضاء، بل دفاع عن القضاء نفسه.
وليست انتقاصاً من هيبته، بل حماية لها.
فهيبة القضاء لا تُبنى على الخوف من القاضي، وإنما على ثقة الناس بعدالته.
ولا تقوم على تحصين الأخطاء، بل على القدرة على تصحيحها.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل قانوني وكل مهتم بالعدالة:
عندما يمنع القاضي أحد الخصوم من ممارسة حق الدفاع، ويحجب عنه ما يقدمه خصمه من مستندات ودفوع، ويتجاوز الضمانات المقررة للتقاضي العادل، ثم يتحول خارج قاعة المحكمة إلى مرجع أو سند أو داعم لأحد أطراف الخصومة في أروقة النيابة أو غيرها من الجهات، فبأي وصف قانوني أو أخلاقي يمكن توصيف هذا السلوك؟
هل ما زلنا أمام قاضٍ يمارس وظيفته القضائية بحياد وتجرد؟
أم أننا أمام حالة يفقد فيها القاضي المسافة التي يجب أن تفصله عن الخصوم، فيتحول من حكم بينهم إلى طرف في نزاعهم؟
هذا السؤال لا يتعلق بواقعة بعينها، ولا بشخص بعينه، بل يتعلق بالحد الفاصل بين القضاء بوصفه رسالة للعدالة، وبين القضاء حين يفقد أهم شروطه: الحياد.
فإذا كان الحياد هو روح العدالة، فماذا يبقى من العدالة عندما تغادرها روحها؟
وإذا كانت هذه الوقائع ليست سوى غيضاً من فيض وسلسلة ممتدة من المخالفات والانحرافات، فهل يصبح الصمت عليها حفاظاً على القضاء، أم أن كشفها والمطالبة بمعالجتها هو الطريق الحقيقي للحفاظ على هيبة القضاء وثقة المجتمع به؟
إن الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول نقد القاضي المنحرف إلى جريمة، بينما يصبح انحرافه نفسه أمراً قابلاً للتبرير أو التغاضي.
عندها لا تتحول العدالة إلى حصن للمظلومين، بل إلى حصن يحتمي فيه الظالمون ما داموا يحملون ألقاباً رسمية.
ولذلك فإن السؤال الذي يستحق أن يُطرح للنقاش ليس: كيف نحمي القاضي من النقد؟
بل: كيف نحمي العدالة من أي شخص، مهما كان منصبه، إذا قرر أن يضع نفسه فوق القانون؟
لسنا بصدد المطالبة بقضاء يخلو من الخطأ، فذلك مستحيل، وإنما نطالب بقضاء لا يتحول فيه الخطأ إلى منهج، ولا الانحياز إلى سلطة، ولا المنصة القضائية إلى حصانة تمنع مساءلة من يجلس عليها.
فالدولة العادلة لا تقوم على قضاة لا يُنتقدون، بل على قضاة يدركون أن القانون فوق الجميع، بمن فيهم القاضي نفسه.