أظن أن هذه من المقولات المتداولة في أدبيات التفاوض وممارساته، ومفادها أن التفاوض لا يجري في فراغ، وإنما يتحرك داخل إطار القوة وموازينها، فحين يكون أحد كبار الخصوم المحاربين في موقع قوة، أو يمتلك أوراق ضغط مؤثرة، فإنه يستخدمها لانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب من خصمه، سواء عبر القوة المباشرة أو عبر التلويح بإمكانية استخدامها. فالمفاوضات، في جوهرها، ليست سوى ساحة أخرى للحرب تُستخدم فيها الكلمات بدلًا من السلاح، لكن الهدف يظل واحدًا: تحسين الموقع وتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح، ولو على مراحل.
أما إذا استعصى الخصم الأضعف وامتنع عن منح خصمه القوي نقاط قوة حقيقية، أو فرضت الظروف الموضوعية قيودًا على الطرف الأقوى، أو لم يعد الوقت يسعفه للاستمرار في الحرب أو في الضغوط المفتوحة، فإنه ينتقل إلى أسلوب آخر يقوم على المرونة وتقديم التنازلات للطرف الأضعف، بل وربما المبالغة في منحه مكاسب وامتيازات يعلم الجميع أن تنفيذها ليس سهلًا، أو أنها تصطدم بالوضع العام المعقد وحقوق الآخرين.
والغاية من ذلك ليست بالضرورة تنفيذ تلك الالتزامات كاملة، وإنما جرّ الخصم الأضعف إلى مناطق اشتباك جديدة مع أطراف أخرى من خلال المكاسب الممنوحة له خارج موازين قوته الحقيقية، إضافة إلى كسب الوقت وامتصاص الضغوط وإعادة ترتيب الأوراق، بانتظار تغير الظروف وتمرير بعض الالتزامات المرحلية، قبل العودة إلى جولة جديدة من الصراع.
وبهذا المعنى فإن الحرب والتفاوض ليسا نقيضين منفصلين، بل أداتان متكاملتان في إدارة الصراع؛ فالحرب قد تكون وسيلة للوصول إلى تفاوض أفضل، والتفاوض قد يكون مرحلة مؤقتة في انتظار جولة جديدة من الحرب عندما تتعذر التسويات النهائية أو تتغير موازين القوى.
وعلى الصعيد النظري، يبدو من الوهلة الأولى أن إيران استعصت على الضغوط الأمريكية، وأن الاتفاق في محصلته النهائية جاء أقرب إلى خدمة مصالحها، رغم الخسائر التي تعرضت لها ورغم تقليص برنامجها النووي. ولأول مرة يُبرم اتفاق بين الولايات المتحدة من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، تحت مظلة واعتماد من مجلس الأمن، بما يعكس شكلًا من أشكال الاعتراف المتبادل بين محورين متقابلين، على خلاف ما توحي به موازين القوة الحقيقية بين الطرفين.
ولا شك أن في ذلك مكاسب سياسية لإيران، غير أنه يصعب عليها تحويل هذه المكاسب إلى حقائق راسخة على الأرض بقدراتها الذاتية. بل إن بعض تلك المكاسب مُنح لها على حساب قوى إقليمية أخرى، وبعضها الآخر يتجاوز أو يتعارض مع ترتيبات دولية سبق اعتمادها، وهو ما قد يجعلها أقرب إلى مكاسب وهمية مؤقتة منها إلى مكتسبات استراتيجية قابلة للاستدامة.
وبهذا المعنى، قد تكون إيران مُنحت مساحة أوسع من قدرتها الفعلية على الاحتمال والحمل، بما يؤدي إلى إشغالها بمكاسب تفوق قدرتها على توظيفها أو الدفاع عنها، خصوصًا وأن بعض المؤشرات والتسريبات الواردة من الداخل الإيراني تشير إلى أن إيران ما بعد الحرب ليست كإيران ما قبلها. فثمة معلومات متداولة عن حالة من الارتباك والفوضى داخل بعض مفاصل الدولة، فضلًا عن أن جدار الردع الذي عُرفت به إيران قد تعرض لضربة قاسية أفقدته جانبًا مهمًا من هيبته وفاعليته.
وهذا يعني، في نظر كثير من المراقبين، أن احتمال تعرض إيران لضربات جديدة من الولايات المتحدة أو إسرائيل لم يعد مستبعدًا كما كان في السابق، كما أن ساحة العمل الاستخباراتي داخل إيران مرشحة لأن تكون ميدان المواجهة الأبرز خلال المرحلة المقبلة، في ظل سعي الأطراف المختلفة إلى استثمارما أفرزته الحرب الأخيرة من ثغرات ونقاط ضعف داخلية.
أما الرئيس ترامب، فيبدو أنه اكتفى من هذا الاتفاق بتحقيق القدر الذي يكفل له حفظ ماء الوجه وتقديم الاتفاق باعتباره إنجازًا سياسيًا يمكن توظيفه في الاستحقاقات الانتخابية النصفية المقبلة، مع الاحتفاظ بجملة من المستمسكات والآليات التي قد تسمح له بتحويل الاتفاق ذاته إلى وسيلة لإعادة إنتاج الحرب في مرحلة لاحقة.
ويزداد هذا الاحتمال مع إدخال مجلس الأمن شريكًا في الاتفاق بكل محمولاته وترسيماته ومرجعياته القانونية، وربطه بجملة من القرارات الدولية ذات الصلة بالعديد من ملفات الصراع في المنطقة والعالم. ومن بينها الصراع مع إسرائيل، وهو الملف الذي عجز مجلس الأمن، حتى اليوم، عن فرض التدابير الدولية الكفيلة بإنهائه أو الوصول إلى تسوية عادلة له.