طوال السنوات الماضية كان المجلس الانتقالي يتلقى مبالغ شهرية ضخمة من الحكومة، تجاوزت ـ بحسب ما كان متداولاً ـ 14 مليار ريال شهرياً وبانتظام، في الوقت الذي كانت فيه الحكومة تمتنع عن صرف مستحقات الجيش من رواتب وإعاشة ومتطلبات أساسية للمعركة.
كما أن ما كان يجنيه المجلس الانتقالي من عائدات النفط، عبر فرض رسوم إضافية على المشتقات النفطية، إضافة إلى الإيرادات الجمركية التي كانت تُفرض على الحاويات بمبالغ مقطوعة، شكّل موارد هائلة قُدرت بمئات الملايين يومياً.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فهناك عشرات الشركات التي تعلم بها وزارة المالية ورئاسة الجمهورية، كان يذهب جزء من عوائدها إلى المجلس الانتقالي أو إلى شبكات الفساد المرتبطة به.
غير أن القضية بالنسبة لي لا تتمثل في كشف هذه الحقائق فحسب، بل في مدى جدية التوجه نحو استعادة موارد الدولة المنهوبة. فإذا كانت هناك إرادة حقيقية لاستعادة المال العام، فلتكن البداية بالكشف عن مصير ثماني عشرة حاوية أموال تابعة للبنك المركزي، والتي اختفت في ظروف غامضة دون إعلان نتائج التحقيقات أو كشف الحقائق للرأي العام.
ولتتجه الجهود أيضاً نحو فحص مصادر رؤوس أموال البنوك والشركات التي أُنشئت خلال سنوات الحرب، ليس في عدن وحدها، بل في مختلف المحافظات المحررة. عندها فقط ستتكشف أرقام مهولة من الأموال التي جرى الاستيلاء عليها بعلم بعض مراكز النفوذ، وفي ظل صمت أو تقاعس الجهات الرقابية.
أنا مع محاسبة قيادات المجلس الانتقالي على أي أموال عامة جرى الاستيلاء عليها أو التصرف بها خارج إطار القانون، لكن العدالة تقتضي أيضاً محاسبة كل من أصدر أوامر صرف مئات المليارات من أموال الدولة بالمخالفة للقانون. فالفاسد ليس فقط من استولى على المال العام، بل أيضاً من مكّنه من ذلك وفتح له أبواب الخزينة العامة.
أما الاستيلاء على موارد الدولة وإيراداتها بقوة السلاح، وفرض الجبايات خارج الأطر القانونية، فلا ينبغي توصيفه باعتباره مجرد فساد إداري أو مالي، بل هو في حقيقته عمل لصوصي مكتمل الأركان. ومن يمارس هذا السلوك لا يجب التعامل معه كفاسد فحسب، بل كلص استولى على أموال الشعب بقوة السلاح والنفوذ.
كما أن فتح ملفات الفساد يجب ألا يكون انتقائياً أو موجهاً ضد طرف دون آخر، بل ينبغي أن يشمل الجميع بلا استثناء. فالمعيار ليس الانتماء السياسي أو الموقع الوظيفي، وإنما مصدر الثروة وكيفية تكوينها.
ولذلك فإن من الواجب فتح ملفات كل الذين تحولوا خلال سنوات الحرب من موظفين عاديين أو أصحاب دخول محدودة إلى ملاك بنوك وشركات وإمبراطوريات مالية ضخمة. فهذه التحولات الهائلة في الثروة لا يمكن أن تبقى بمنأى عن المساءلة والتدقيق إذا كانت هناك إرادة حقيقية لاستعادة المال العام ومكافحة الفساد.
إن استعادة موارد الدولة لا تبدأ بالبيانات ولا بالشعارات، بل بفتح جميع الملفات دون استثناء، ومحاسبة جميع المتورطين دون تمييز. أما إذا اقتصر الأمر على استخدام ملفات الفساد كورقة في صراع النفوذ بين مراكز القوى، فلن نكون أمام معركة لاستعادة الدولة، بل أمام صراع بين شبكات فساد ولصوصية تتنازع على ما تبقى من موارد الوطن وثرواته.
فإما أن تفتح ملفات الجميع في سياق اولويات المرحلة وما تقتضيه المصلحة الوطنية وفي المقدمة من أصدر الأوامر ومن استولى على الأموال، ومن نهب الإيرادات ومن سكت عن نهبها، وإما أن تتحول شعارات مكافحة الفساد إلى مجرد أداة جديدة في معارك النفوذ وتصفية الحسابات بين الفاسدين أنفسهم وتلك وحدها جريمة تتجاوز كل ما ذكر أعلاه.