تحليل استراتيجي للعلاقة الأمريكية-الإسرائيلية
أولاً: الإطار التحليلي
تكشف التجربة التاريخية للعلاقة الأمريكية-الإسرائيلية أن متانة التحالف بين الطرفين لم تُلغِ مركزية المصلحة الأمريكية العليا في صناعة القرار. فعلى الرغم من الدعم الأمريكي الواسع لإسرائيل عبر العقود أظهرت واشنطن استعداداً متكرراً لممارسة الضغط السياسي والاقتصادي، أو تجاوز التفضيلات الإسرائيلية كلما تعارضت تلك التفضيلات مع أولوياتها الاستراتيجية الكبرى.
ومن ثَمَّ فإن معيار استقلال القرار الأمريكي لا يُقاس بحجم الدعم المقدم لإسرائيل إنما بقدرة الولايات المتحدة على ضبط السلوك الإسرائيلي أو تجاوزه عندما ترى أن مصالحها العليا تتطلب ذلك. وتكشف المحطات التاريخية التالية استمرار هذه القاعدة وإن اختلفت أدوات تطبيقها من مرحلة إلى أخرى.
ثانياً: الخط الزمني الاستراتيجي
1948 - التأسيس والخلاف المبكر
عارض وزير الخارجية الأمريكي جورج مارشال توقيت الاعتراف بالدولة الإسرائيلية، خشية انعكاساته على المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط والعالم العربي. وتعكس هذه المحطة المبكرة أن الاعتبارات الاستراتيجية كانت حاضرة داخل الإدارة الأمريكية منذ اللحظة التأسيسية، وأن العلاقة مع إسرائيل لم تكن في يوم من الأيام بمنأى عن حسابات المصلحة القومية الأمريكية حتى حين جاء قرار الاعتراف في نهاية المطاف لصالح التوجه الإسرائيلي.
1956 - أزمة السويس: أولوية النظام الإقليمي وصعود الهيمنة الأمريكية
مثّلت أزمة السويس أوضح اختبار مبكر لاستعداد واشنطن لمواجهة حلفائها مباشرة. فقد مارس الرئيس دوايت أيزنهاور ضغوطاً اقتصادية وسياسية مكثفة أجبرت إسرائيل وبريطانيا وفرنسا على الانسحاب من قناة السويس، انطلاقاً من حرص واشنطن على احتواء النفوذ السوفيتي والحفاظ على علاقاتها مع الدول العربية.
وقد مثّلت الأزمة محطة مفصلية في انتقال مركز الثقل داخل المعسكر الغربي من القوى الاستعمارية التقليدية إلى الولايات المتحدة؛ إذ سعت واشنطن إلى إدارة النظام الإقليمي وفق رؤيتها الخاصة بما حدَّ من قدرة بريطانيا وفرنسا على العمل المستقل في الشرق الأوسط، ورسَّخ القيادة الأمريكية للنظام الدولي الناشئ بعد الحرب العالمية الثانية إلى جانب الإتحاد السوفيتي (عالم ثنائي القطبية). وفي ذلك دليل مبكر على أن واشنطن مستعدة للضغط على إسرائيل وحتى على أقرب حلفائها الأوروبيين عندما ترى أن سلوكهم يتعارض مع مصالحها الاستراتيجية الأوسع.
1975 - إعادة تقييم العلاقات
لوَّح الرئيس جيرالد فورد بإعادة تقييم شاملة للعلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، وعلَّق بعض أشكال الدعم العسكري بهدف الضغط على إسرائيل للتوصل إلى اتفاق فصل القوات في سيناء. وأظهرت هذه المحطة أن أدوات الضغط الأمريكية لم تكن استثناءً طارئاً، بل جزءاً هيكلياً من إدارة التحالف عندما تتطلبه المصالح العليا ولو على حساب الحساسيات الإسرائيلية.
1977-1979 - البراغماتية الأمنية وتجاوز الخط الإسرائيلي الأحمر
أقامت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية قنوات اتصال سرية مع علي حسن سلامة في إطار ترتيبات أمنية لحماية المصالح الأمريكية في لبنان. والقيمة الاستثنائية لهذه المحطة لا تكمن في طبيعة التواصل الاستخباراتي في حد ذاته، بل في حقيقة أن سلامة كان مدرجاً على قوائم الاستهداف والاغتيال الإسرائيلية بالاسم باعتباره أحد المسؤولين عن عملية ميونخ 1972.
بمعنى آخر، لم تكتفِ واشنطن بتجاهل التفضيل الإسرائيلي أو تجاوز اعتراضه لكنها تعاملت مع شخص تعدُّه إسرائيل هدفاً أمنياً مشروعاً وذلك لاعتبارات براغماتية أمريكية خالصة. وهذا يجعل هذه المحطة من أشد الأدلة حدةً على استقلالية القرار الأمريكي حين تتعارض الحسابات الاستراتيجية مع الحساسيات الإسرائيلية.
1991 - حرب الخليج: حماية التحالفات الكبرى
مارست إدارة الرئيس جورج بوش الأب ضغوطاً مكثفة على إسرائيل لمنعها من الرد على الصواريخ العراقية التي استهدفت أراضيها أثناء حرب الخليج، حفاظاً على تماسك التحالف الدولي والعربي ضد العراق وقد كشفت هذه المحطة بوضوح أن المصالح الاستراتيجية الأمريكية الكبرى قد تتقدم على الاعتبارات الإسرائيلية الآنية، بل وعلى حق إسرائيل - من منظورها ذاته - في الدفاع عن نفسها. والأهم أن إسرائيل أذعنت للضغط الأمريكي مما يعني أن أدوات الضبط الأمريكية أثبتت فاعليتها حين توافرت إرادة استخدامها وتوافرت مصلحة استراتيجية واضحة تدفع نحو ذلك.
2026 - الاتفاق الأمريكي-الإيراني: عودة المصلحة العليا
رغم التفضيل الإسرائيلي لاستمرار الضغط أو المواجهة مع إيران اتجهت الولايات المتحدة إلى إبرام اتفاق مع طهران في أعقاب أشهر من التصعيد العسكري المتبادل. وتعكس هذه الخطوة أن القرار الأمريكي النهائي ظل محكوماً بحسابات المصلحة الاستراتيجية الأوسع، شملت احتواء مخاطر الحرب الإقليمية الشاملة وحماية الاقتصاد العالمي من تداعيات صراع مفتوح، وتخفيف الأعباء العسكرية والسياسية على الإدارة الأمريكية.
وتُظهر هذه المحطة أن واشنطن عندما ترى أن مصالحها العليا تتطلب مساراً مختلفاً تكون مستعدة لتجاوز التفضيلات الإسرائيلية حتى في أكثر الملفات حساسية وارتباطاً بالأمن الإقليمي.
ثالثاً: القاعدة الاستراتيجية الحاكمة
تكشف المحطات السابقة عن قاعدة شبه ثابتة في السلوك الأمريكي تجاه إسرائيل، يمكن تلخيصها في المبادئ التالية:
1️. التحالف مع إسرائيل ثابت لكنه ليس بديلاً عن المصلحة الأمريكية العليا ولا مُسقِطاً لها.
2️. كلما ارتفعت كلفة السياسات الإسرائيلية على المصالح الأمريكية الكبرى، ارتفع استعداد واشنطن لممارسة الضغط أو تجاوز الرؤية الإسرائيلية.
3️. أدوات الضغط الأمريكية تتغير بتغير السياقات الدولية - من الضغط الاقتصادي، إلى التواصل مع خصوم الإسرائيليين، إلى الامتناع عن دعم الرد العسكري - لكن مركزية المصلحة القومية الأمريكية تبقى ثابتة.
4️. ثمة حالات أذعنت فيها واشنطن للرؤية الإسرائيلية رغم كلفتها الدبلوماسية، كالاعتراف بالقدس عاصمةً عام 2017، مما يعني أن استقلالية القرار الأمريكي ليست مطلقة، بل مشروطة بالسياق وبحسابات التكلفة والعائد.
رابعاً: الخلاصة الاستراتيجية
تُظهر التجربة الممتدة من أزمة السويس عام 1956 إلى الاتفاق الأمريكي-الإيراني عام 2026 أن العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، رغم خصوصيتها الاستثنائية لم تُلغِ حقيقة أساسية في العلاقات الدولية: الدول الكبرى لا تتخلى عن مصالحها العليا حتى في علاقاتها مع أقرب حلفائها.
وعليه، فإن السؤال الاستراتيجي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة تدعم إسرائيل - فذلك ثابت تاريخياً لا يحتاج إلى برهان - بل ما إذا كان هذا الدعم يبقى غير مشروط عندما تتعارض الرؤية الإسرائيلية مع المصالح الأمريكية الكبرى. وتشير الوقائع التاريخية من ضغوط أيزنهاور إلى اتصالات الـCIA مع سلامة إلى الاتفاق مع إيران، إلى أن واشنطن في لحظات التحول الكبرى تميل في النهاية إلى تغليب حساباتها الاستراتيجية الأوسع.
ومن هنا تكتسب دراسة هذا النمط قيمتها الاستراتيجية: ليس لاستخلاص يقين مطلق حول السلوك الأمريكي المستقبلي إنما لتحديد الشروط التي يرجُح فيها أن تُقدِّم واشنطن حساباتها على تفضيلات حلفائها، وهو ما يمثل مفتاحاً جوهرياً لأي تقدير موقف استراتيجي في المنطقة.
- ومن هنا تكتسب دراسة هذا النمط قيمتها الاستراتيجية: ليس لاستخلاص يقين مطلق حول السلوك الأمريكي المستقبلي، إنما لتحديد الشروط التي يرجُح فيها أن تُقدِّم واشنطن حساباتها على تفضيلات حلفائها. ومن هنا أيضاً فإن الرهان على إسرائيل بوصفها ورقة ضغط أو مصدر نفوذ إقليمي محفوفٌ بمخاطر جوهرية؛ ذلك أن مصالح الدول الكبرى لا تُقرأ من زاوية ضيقة، بل تستلزم خبرةً سياسيةً ناضجة وفهماً دقيقاً لآليات العلاقات الدولية، يُميِز بين الممكن والمستحيل قبل أن تُبنى عليه الرهانات.