تكشف مسودة التفاهم المؤقت بين الولايات المتحدة وإيران عن لحظة سياسية شديدة الحساسية في مسار العلاقة بين خصمين تاريخيين. فالمسودة، المعروفة باسم «مذكرة تفاهم إسلام آباد»، لا تبدو اتفاقاً نهائياً بقدر ما تمثل محاولة لوقف التصعيد وفتح نافذة تفاوضية جديدة. فهي تسعى إلى وقف العمليات العسكرية، وتهدئة الجبهات المرتبطة بالصراع، وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، وتهيئة الطريق لمفاوضات أوسع خلال ستين يوماً. ومن هنا يبرز السؤال المركزي: هل تمثل هذه المسودة هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس، أم بداية اختراق تاريخي في العلاقات الأمريكية الإيرانية؟
تقوم المسودة على أربع عشرة نقطة يمكن تقسيمها إلى محاور رئيسية. المحور الأول أمني، ويتضمن وقفاً فورياً ودائماً للعمليات العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران وحلفائهما، بما في ذلك الساحة اللبنانية، إلى جانب التعهد بعدم شن الحرب أو التهديد باستخدام القوة، واحترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. أما المحور الثاني فيضع إطاراً زمنياً للتفاوض على اتفاق نهائي خلال ستين يوماً، مع إمكانية التمديد باتفاق الطرفين. ويأتي المحور الثالث مرتبطاً بمضيق هرمز والحصار البحري، حيث تلتزم واشنطن برفع القيود البحرية تدريجياً خلال ثلاثين يوماً، بينما تتعهد طهران بضمان مرور السفن التجارية عبر المضيق لمدة ستين يوماً، مع عودة الملاحة تدريجياً وإزالة العوائق الفنية والعسكرية.
أما المحور الرابع، وهو الأخطر، فيتناول القضايا الكبرى المؤجلة: العقوبات، والأصول الإيرانية المجمدة، وخطة إعادة إعمار وتنمية للاقتصاد الإيراني، والبرنامج النووي، وآلية الرقابة والتنفيذ، وإمكانية تثبيت الاتفاق النهائي بقرار من مجلس الأمن. وتبدو المسودة هنا محاولة لصناعة توازن دقيق بين مطالب الطرفين؛ فالولايات المتحدة تحصل على وقف للتصعيد، وفتح لممر ملاحي حيوي، وتعهد إيراني بعدم السعي إلى امتلاك أو تطوير سلاح نووي، وتجميد مؤقت للوضع القائم في البرنامج النووي. وفي المقابل، تحصل إيران على رفع تدريجي للحصار البحري، ووقف فرض عقوبات جديدة خلال فترة التفاوض، وإقرار مبدئي بمعالجة العقوبات والأصول المجمدة، إلى جانب إعفاءات مرتبطة بصادرات النفط قد تمنح طهران متنفساً اقتصادياً وسياسياً.
غير أن قابلية هذه المسودة للتحول إلى اتفاق نهائي تبقى رهينة ثلاث عقد رئيسية. الأولى هي الملف النووي، خصوصاً مصير التخصيب، ومخزون المواد المخصبة، ودور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في التحقق. فالنص المؤقت يكتفي بالتزام عام بعدم امتلاك أو تطوير سلاح نووي، لكنه لا يحسم التفاصيل التي ستحدد جوهر الاتفاق النهائي. العقدة الثانية هي العقوبات، إذ إن رفع العقوبات الأمريكية، ولا سيما الثانوية وتلك المرتبطة بتشريعات الكونغرس، ليس إجراءً فنياً بسيطاً، بل قرار سياسي وقانوني قد يواجه معارضة داخلية. أما العقدة الثالثة فهي البعد الإقليمي، خاصة في ما يتعلق بإسرائيل، ولبنان، ودول الخليج، ومضيق هرمز، حيث يمكن لأي حادث عسكري أو اعتراض إقليمي أن يعطل مسار التفاهم أو يعيده إلى نقطة الصفر.
وعليه، فإن المسودة تحمل احتمالين متوازيين: فقد تكون هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار دون أن تعالج جذوره، وقد تتحول إلى اختراق تاريخي إذا نجح الطرفان في تحويل بنودها العامة إلى التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ. والاختبار الحقيقي لن يكون في إعلان النقاط الأربع عشرة، بل في قدرة واشنطن وطهران على تثبيت وقف التصعيد، وفتح هرمز بصورة مستقرة، ووضع آليات دقيقة للتحقق النووي، وجدولة رفع العقوبات، ومعالجة الأصول الإيرانية المجمدة. فالمسودة تفتح باب الاتفاق، لكنها لا تضمن عبوره؛ وما بين الهدنة المؤقتة والاختراق التاريخي تقف تفاصيل شديدة الحساسية قد تصنع تحولاً كبيراً في المنطقة، أو تعيدها إلى دورة جديدة من المواجهة.