;
عبدالمؤمن ميسري
عبدالمؤمن ميسري

اختبارٌ واحدٌ وفاشلون كُـثْرٌ 481

2026-06-18 09:47:16

يُفترضُ في امتحانِ الثانوية العامة أن يكونَ مقياسًا صادقًا لمستوى طالبِ ما قبل الجامعة. كما يُفترض أنْ تكونَ نتائجُه غربلةً حقيقيةً تُحشدُ لها كافةُ الإمكانات الماديّةِ والبشرية. وعلى ضوئها ينتقل الطالب من مربّع التعليم العام إلى التعليم التخصُّصي كمرحلة إعدادٍ وتأهيلٍ للكفاءاتِ التي تلبي احتياجات الوطن في كافّة المجالاتِ العلميّة والإنسانيّة.

وبناءً على ذلكَ فإنَّ أيَّ اختلالاتٍ في هذا الامتحان المقياس سيعطي نتائجَ لا تتوقف سلبيتُها عند انتفاء مصداقيتِها، وإنما تتعدّى ذلكَ إلى إثقال التعليم الجامعي بطلاب لا تتفق قدراتهم التأهيلية ومواقعهم التخصُّصيّة التي قَذفتْ بهم إليها رياحُ الغشّ والمحسوبيّة، وبالتالي فإنَّ مخرجات التعليم الجامعي ستكون أشدُّ سوداويةُ على سوقِ العمل. حيثُ يتولّى أنصافُ الكفاءات وأرباعها إدارة شئونه. وبذلك تعمُّ الرداءةُ وتتفشّى الضحالةُ وتحلُّ الكوارثُ خرابًا مستعجلًا سواءً في العمل الخاص أو الحكومي.

ومن هنا كان لزامًا على كل الأطرافِ الفاعلة في المجتمع شعبيةً كانت أو حكوميّة أنْ تلقي بكل ثقلِها في سبيل أن تؤدّى امتحانات الثانوية العامة بمصداقية، وأن تكونَ معيارًا حقيقيًّا يرتفعُ بذوي الكفاءةِ إلى مختلف التخصصات الضرورية، ويتيح لذوي الكفاءات المتواضعة ميادين تتناسب وحجم كفاءتهم. وهذا بالضبط ما تصنعه الدول الحريصةُ على مستقبلها.

في السابع من هذا الشهر بدأت امتحانات الثانوية العامة في محافظات الشرعيّة صادمةً ذابحة. برز فيها الغش لا كظاهرة فردية تطلُّ هنا أو هناك، وإنّما كحالةً جماعيّة تُمارس على مسمع ومرأى من الجميع، بل ويتبادل الناس قصصا للفتوحات الغشية يندى لها الجبين. مما يدلُّ على أنَّ هذه الامتحانات أُفرغتْ تمامًا من مضمونِها، وأنَّها أصبحت شكليّة، بل ومعراجًا لا لذوي الكفاءات ولكن للراسخين في الغش الذين يستعينون بفضل التقنية الرقمية بمتخصصين مختلفين لحل أسئلة الامتحانات، وتحقيق نتائج باهرة لم يحققها عباقرة العلوم المعروفين. واثقين أنَّ عشرات الجامعات -الخاصة منها تحديدا- بانتظارهم. بل وفاتحة ذراعيها لاحتضانِهم لتبيع لهم شهاداتٍ مزركشةٍ، وتقيمُ لهم حفلاتِ تخرجٍ مغشوشٍ، لا لتعطيَهم علما.

لقد باتَ لِزامًا على وزارة التربية والتعليم أن تقف وقفة جادة أمام هذا الخراب الطامي، وأن تبحث عن مقاييس علمية أخرى. تعيد للعلم هيبته، وتعيد للتخصصات المختلفة كفاءاتها المطلوبة. على افتراض أنَّ وزارة التربية ما تزال حريصةً على إنجاح الاختبارات ونزاهتِها، أما إذا كانت الوزارة تكمل بهذا التغاضي سلسلة الهدم التي تعرّضت لها الامتحانات في التعليم العام بدءا من إلغاء الامتحان الوزاري للصف السادس، ومرورًا بإلغائه عن الصف الثالث الإعدادي، ووصولا إلى هذه الغوغائية في امتحانات الثانوية؛ فإنَّه يمكن القول أنَّ على التعليم السلام، وأنَّ المدرسة لم تعد منبعًا للعلم والمعرفة، وأنّها صارتْ سلَّمًا للفاشلين ليسَ إلا.

والحقيقة أنَّ فشل هذه الامتحانات ليس مقتصرًا على المدرسة وحدها، ولكنّه يطول الجهات المسئولة في الدولة، بشقّيها الإداري والأمني، كما يطول المجتمع بعلمائه ومثقفيه وكافة الفعاليات الثقافية والسياسية فيه. ذلك أنَّ هؤلاء رضوا بظاهرة الهدم هذه بل وتعاطوا معها، مما جعلها تشتدُّ ضراوةً وتزدادُ اتّساعًا.

وطالما أصبح الغش بهذه القوة والسلطة؛ فلا تستغربوا من عمارات تنهار ولمّا تُكمل أدوارها الأولى، ومثقفين يقلبون الحق باطلًا والباطل حقًّا، ومستشفيات تتباهى بنجاح العملية حتى مع موتِ المريض.

shape3
الأكثر قراءة

الرأي الرياضي

كتابات

محمد جميح

2026-08-12 02:39:15

اقتناص اللحظة

كلمة رئيس التحرير

سمير عطا الله

2026-05-07 03:41:24

من ديار السعادة

صحف غربية

المحرر السياسي

وكيل آدم على ذريته

أحلام القبيلي

2016-04-07 13:44:31

باعوك يا وطني

أحلام القبيلي

2016-03-28 12:40:39

والأصدقاء رزق

الاإصدارات المطبوعة

print-img print-img
print-img print-img
حوارات

dailog-img
رئيس الأركان : الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر

أكد الفريق ركن صغير حمود بن عزيز رئيس هيئة الأركان ، قائد العمليات المشتركة، أن الجيش الوطني والمقاومة ورجال القبائل جاهزون لحسم المعركة عسكرياً وتحقيق النصر، مبيناً أن تشكيل مجلس القيادة الرئاسي الجديد يمثل تحولاً عملياً وخطوة متقدمة في طريق إنهاء الصراع وإيقاف الحرب واستعادة الدولة مشاهدة المزيد