في هذه البلاد، بكل تعقيداتها وانكساراتها، ثمة مشاريع كُتب لها النجاح، وحققت مكاسب هائلة ماديًا وسياسيًا؛ وفي مقدمة هذه المشاريع: صناعة المليشيات.
في ظل القيادة السياسية الراهنة، تبدو اليمن أرضًا خصبة للاستثمار في المليشيات المسلحة. فمنذ عام 2004 وحتى اليوم، لم نجد مشروعًا مليشياويًا متمردًا على الدولة إلا ونمت أسهمه، واتسع نفوذه، وتضاعفت مكاسبه، ولو كان الثمن مئات الآلاف من القتلى، وتدمير الدولة، وحرق المدن، وتهجير ملايين اليمنيين.
راجعوا الجغرافيا اليمنية: هل وجدتم مليشيا انهارت فعلًا؟ وإن حدث أن اقتربت مليشيا من الانهيار أو التفكك، سارعت القيادة إلى إنقاذها؛ تمنحها الحصانة، وتفتح لها أبواب الشراكة، وتعيد إنتاجها بغطاء سياسي يمنحها مشروعية البقاء.
وحده الاستثمار في تدمير هذا الوطن وتقسيمه يزدهر. وحدها مشاريع هدم ما تبقى من المؤسسات الدستورية والشرعية تجد من يرعاها ويمنحها فرص النجاة.
لن تجدوا هذه القيادة حريصة على تماسك ما تبقى من الدولة كما هي حريصة على استمرار الشراكة مع المليشيات المسلحة. أما مؤسسة الجيش الوطني، التي تتعرض لكل أنواع الغدر والخديعة والخيانة والتخريب والحصار، فلا تجد من هذه القيادة موقفًا مسؤولًا يليق بتضحياتها ولا بحجم المعركة الوطنية.
إنها لحظة زمنية ملعونة، تقودها نخبة انهزامية بلا موقف، وبلا رؤية، وبلا مسؤولية. زمن المليشيات المسلحة، وزمن المتاجرين بحاضر اليمن ومستقبله، وزمن الجبناء الذين ارتضوا بسلطات شكلية بلا قرار، وقبلوا أن يكونوا جسور عبور لكل مشروع يستهدف تدمير اليمن وتمزيق دولته.
لا يمكن لدولة أن تنهض وهي تكافئ من يحمل السلاح ضدها، ولا يمكن لوطن أن ينجو وقيادته تحاصر جيشه وتحتضن مليشيات تقوض وجودها من يصنع المليشيا أو يمنحها الشرعية لا يبني دولة؛ بل يوقّع، بيده، على شهادة وفاة جمهورية ..