ليس غريباً استمرار مليشيا الحوثي في التلاعب بمصير السياسي والمناضل الكبير محمد قحطان.
منذ اختطافه قبل أحد عشر عاماً وحتى اللحظة، داوم الانقلابيون على تحويل الجريمة إلى أداة للابتزاز والتعذيب النفسي لذويه وعائلته.
خلال هذه السنوات سربوا روايات متضاربة، بعضها يتحدث عن استشهاده في قصف جوي في حين كانت أخرى تصدر عن قيادات تفيد بوجوده على قيد الحياة.
كلما تذكرت الأستاذ قحطان، تلمع في الذهن شخصية سياسية استثنائية كانت قادرة دائماً على تحريك الركود وكان يمنياً صميماً يسعى لجسر الهوة بين الفرقاء وفتح النوافذ المغلقة على قاعدة أن هذا البلد للجميع وأنه لن ينهض بالإقصاء ولا بنفي الآخر.
وقد ارتبط اسمه بأهم مشاريع التحول السياسي في البلاد لجمع شتات القوى السياسية وصياغة الرؤى الأكثر نضوجاً في بلد يعيش دوامة لا نهائية من صراعات بلا أفق.
كان الانقلاب الذي أخذ البلد في طريق الكارثة، يدرك معنى وجود سياسي محنك وقائد شجاع، لذلك وضعه منذ البدء ضمن أهدافه الأولى تفنن في تغييبه وصناعة الغموض حول مصيره ليتحول ملف أهم مختطف سياسي في البلاد إلى مأساة تدار للأسف بتواطؤ دولي.
المؤكد أن ما بات سردية حوثية خلال الأيام القليلة الماضية عن مقتله بقصف جوي في أبريل 2015 لا يخرج عن فصول التلاعب بمصير الرجل، والمؤسف أن البعثة الأممية شاركت في كتابة فصول هذه المأساة، فلم تهتم بوضع حد لهذه الانتهاكات الجسيمة والفظيعة طوال هذه السنوات رغم أن الرجل مشمول بقرار مجلس الأمن الدولي 2216.
وفي جميع المحطات التي كان يتم فيها التفاوض بشأن المختطفين والأسرى، كانت قضية السياسي الكبير الأستاذ محمد قحطان، فرج الله كربته، تطوى مثل صفحة بينما تضغط الأمم المتحدة ليتم الانتقال إلى تفاصيل أخرى، دون حسم.
لقد تعمدت المليشيات صناعة مأساة للرجل وعائلته غير مكترثة بأخلاق وعادات اليمنيين في الحرب والسلم، ضاربة عرض الحائط بكل المواثيق الدولية وبكل القواعد الأخلاقية، رغم أنها حين اختطفت رجل مسالم كان رمزاً للحوار، لم تأخذه من ميدان الحرب، بل من منزله، وقبل أن تصبح الحرب سيرة البلد الذي اختطفه الانقلابيون وأوردوه هذا المصير.
كما صنعت المليشيا الحوثية من هذه المأساة ملهاة لقياداتها التي تتلذذ بتعذيب رجل لم يكن يحمل السلاح والتفنن بتسليط عذاب نفسي طويل لأفراد أسرته.
تنسى هذه المليشيات وقائع كثيرة وأدلة وشواهد تنافي سرديتها الأخيرة، على الأقل بالنسبة لأسرته التي ظلت تتلقى وعوداً وأخباراً عنه طوال سنوات اختطافه وإخفائه.
ما هو مؤكد أن رواية مليشيا الحوثي الأخيرة عن مقتله في أبريل 2015 غير صحيحة بالمرة لأن أسرته كانت على دراية تامة بوجوده على قيد الحياة خلال الأعوام التالية لتاريخ مقتله المزعوم وتلقت تطمينات من قيادات ووسطاء في الأعوام التالية بوجوده على قيد الحياة وفقاً لإفادة الأسرة.
كما تنسى هذه المليشيا المنفلتة من أي التزامات أن مسؤول ملف الأسرى الحوثي كان قد صرح قبل عام باستعدادهم الإفراج عنه وهو تأكيد واضح بأن مصير الأستاذ قحطان ظل طوال هذه السنوات رهن ابتزاز رخيص، وورقة للتفاوض.
أشعر بالأسى حيال هذه المأساة والتضامن مع عائلته ومحبيه، فقد كان الكبير قحطان بالنسبة لي أستاذاً في صفوف الدراسة في وقت مبكر، ثم تعرفتُ عليه سياسياً كبيراً يحظى باحترام وتقدير كبير من الكثير من خصومه قبل محبيه.
تتحمل مليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن حياته ومصيره وعن كل ما ترتب عن ذلك من عملية تعذيب نفسي وترويع لأسرته وأفراد عائلته طوال السنوات الماضية.
أضم صوتي إلى الدعوات المطالبة بتشكيل لجنة تحقيق دولية في مصير الأستاذ قحطان، فهو مشمول بالقرار الأهم لمجلس الأمن وليس من اللائق ببعثة الأمم المتحدة تجاوز هذه المأساة في كل جولة تفاوضية دون الضغط للإفصاح عن مصيره كل هذه السنوات، كما يتوجب على الفريق الحكومي عدم الرضوخ للضغوطات دون وضع حد لهذه المأساة.