نخوض معاركنا منذ أكثر من ثلاثة عقود، وما زلنا في قلبها حتى اليوم.
قد يكون الفارق بين الأمس واليوم أن أدواتنا تبدّلت، لكن ثبات الموقف لم يتغير؛ فبالأمس كانت بين أيدينا إمكانيات مؤسسة الشموع في صنعاء وعدن، واليوم نحمل ذات الرسالة بإرادةٍ لا تنكسر.
منذ منتصف التسعينات، خضنا معركة الوعي في مواجهة مليشيات الحوثي، حين حذّرنا مبكرًا من تداعيات إلغاء المعاهد العلمية وخطورة تنامي الفكر الإمامي. كان صوتنا واضحًا وعاليًا، لكن الآذان يومها كانت صمّاء.
وفي عامي 1999 و2003، أصدرنا دراساتٍ متعدّدة حذّرت من تنامي النفوذ الإيراني، ليس في اليمن فحسب، بل في المنطقة بأسرها، مع تأكيد خصوصية الساحة اليمنية في هذا الصراع.
ومع اندلاع حروب التمرد في صعدة، لم نكتفِ بإعلان موقفنا، بل اتخذنا موقعنا إلى جانب الجيش منذ الطلقة الأولى، واستمر موقفنا ثابتًا لم يتبدل. لم نهتز، كما لا تهتز الجبال برياح الأعداء مهما تنوّعت أشكالهم وتفاصيلهم.
رفضنا كل أشكال التماهي مع مشروع التمرد الحوثي في كل المراحل، وواجهناه بمواقف صريحة وعلنية. وقفنا ضد محاولات تحويل بعض القوى السياسية إلى غطاءٍ للتمرد وأداة ضغط على الجيش، كما رفضنا غياب الحسم في تلك المعارك، حين كانت تُوقف في لحظاتٍ كانت تقترب فيها من نهايتها.
لدينا من التفاصيل ما سيبقى شاهدًا للتاريخ في مسار حروب صعدة الست، كما كان موقفنا واضحًا خلال أحداث 2011، برفض أي تمثيل لمليشيات الحوثي في الساحات، وفي مقدمتها ساحة الجامعة.
وتواصلت محطات الخذلان، من اللجان التي شُكّلت لفك الحصار عن صعدة، إلى ما جرى في حاشد، وصولًا إلى سقوط عمران، ثم صنعاء.
لقد قادت الشراكات المرتبكة، والخيارات الانتقامية، إلى تسليم مؤسسات الدولة لمليشيات الحوثي، ومن خلفها المشروع الإيراني، لتدخل البلاد مرحلةً جديدة من الانهيار.
وحين اختار كثير من الإعلاميين والمؤسسات مغادرة البلاد والتخلي عن أصولهم، كان خيارنا مختلفًا: البقاء، والمواجهة، وخوض المعركة حتى النهاية.
واجهنا المليشيات في صنعاء حتى اللحظة الأخيرة، قبل أن تقتحم المؤسسة وتستولي على ممتلكاتها. انتقلنا بعدها إلى عدن، وواصلنا المواجهة رغم الحصار، ثم قررنا، بعد التحرير، استعادة نشاطنا دعمًا لعودة الدولة واستمرارًا لمعركة التحرير.
لكننا واجهنا لاحقًا تغوّل مشاريع أخرى، وتعرّضنا للتهديد والانتهاكات، ورفضنا كل المغريات التي كانت تستهدف جرّنا إلى مشاريع ضيقة. حتى جاء يوم اقتحام المؤسسة في عدن، وإحراقها ونهبها، وتهجيرنا بالقوة.
انتقلنا إلى مأرب، متمسكين بخيار الاستمرار، ومؤمنين بأن ساعة النصر آتية. وهناك، وجدنا أنفسنا أمام معارك جديدة، ليس فقط مع امتدادات الحوثي، بل مع أطرافٍ أخرى داخل بنية الشرعية ذاتها.
هذه السردية ليست للتفاخر، بل للتأكيد أن المواقف لا تُصنع بالشعارات، بل تُكتب بالتضحيات.
تاريخ ثلاثة عقود من عمر مؤسسة الشموع هو شاهدنا، وهو ما يجعل أي محاولة للمزايدة علينا بلا قيمة.
ذلك نحن… وهذا هو الطريق الذي اخترناه، وسنمضي فيه حتى النهاية.
ونقول لكل المتآمرين والمترددين:
أنتم لا تواجهون أصواتًا عابرة، بل إرادةً تشكّلت عبر عقود من الصمود.
أمامنا خياران لا ثالث لهما:
إما نصرٌ نستعيد به صنعاء، ونحفظ به كرامة هذا الوطن،
أو شهادة نغادر بها هذه الدنيا مرفوعي الرأس…
وفي الحالتين، لن نكون إلا حيث يجب أن نكون.