يتمادون في استهداف القوى الوطنية، لا بضربةٍ واحدة، بل بمنهجٍ يقوم على التفكيك المتدرّج:
يبدؤون بالمكونات السياسية، يعزلون كل مكوّنٍ على حدة، ثم ينتقلون إلى الجيش بكل تشكيلاته، ثم إلى قياداته فردًا فردًا، قبل أن تمتد الدائرة لتطال الشخصيات الاجتماعية، والعلماء، والدعاة، وصولًا إلى النخب المثقفة والإعلامية.
إنها معركة لا تهدأ…
تنطفئ في جبهة لتشتعل في أخرى، وتتحرك في صمتٍ كأنها قدرٌ مؤجل، بينما يقف الجميع على مسافةٍ من الحريق، رغم أن ألسنته قد طالتهم، أو هي في طريقها إليهم.
هذا النمط من الاستهداف ليس طارئًا، بل هو إعادة إنتاجٍ لسيناريو عرفناه طويلًا:
تفكيك الجبهات، وعزلها، ثم الانقضاض عليها واحدةً تلو الأخرى.
هكذا خيضت المعارك خلال السنوات الماضية، وهكذا وصلنا إلى واقعٍ مثقلٍ بالخسارات، حيث لم ينجُ أحد من آثار هذا التدرّج القاتل.
والمفارقة أن أدوات هذا الاستهداف لم تعد خارجية فحسب، بل تسللت إلى داخل مؤسسات الدولة ذاتها، بكل سلطاتها، لتصبح الأزمة أكثر تعقيدًا… حين تتحول أدوات الحماية إلى منافذ اختراق.
لهذا، فإن الحياد هنا ليس موقفًا آمنًا كما يُظن، بل حالةٌ من تأجيل المواجهة حتى لحظةٍ أشد كلفة.
فالتاريخ القريب—من لحظة تفكيك المعاهد العلمية، مرورًا بتمرد صعدة، وصولًا إلى اليوم—يقدّم درسًا واضحًا:
أن من اختاروا الوقوف على الحياد، لم يحصدوا سوى اتساع دائرة الخطر من حولهم.
الحياد في معركةٍ كهذه لا يعني الوقوف خارجها، بل التفرّج على ذاتك وهي تُستهدف بالتقسيط.
إنهم أشبه بمتفرجين في مدرجات ملعبٍ مشتعل،
يتابعون لعبةً من نار، بينما في أرضها دماء تُسفك، ووطنٌ يُعاد تشكيله على إيقاع التفكك.
وفي النهاية…
لا يبقى الحياد موقفًا، بل يتحول إلى جزءٍ من المشكلة،
حين يصبح الصمتُ مساحةً يتقدّم عبرها الخطر بثقة
إن الاستمرار في الوقوف على مسافةٍ من هذه المعركة لن يحمي أحدًا، بل يمنح الخطر وقتًا ومساحةً ليكتمل.
فحين يُستهدف الجميع بالتدريج، يصبح الحياد وهمًا مؤقتًا لا يلبث أن ينهار.
اللحظة التي نظن فيها أنك خارج دائرة الاستهداف، هي ذاتها اللحظة التي تكون فيها أقرب إليه .
فإما وعيٌ يسبق الانهيار… أو ثمنٌ يُدفع حين لا ينفع الندم ..