يشدد فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، في حديثه اليوم مع السفراء، على أولوية إنهاء سيطرة مليشيات إيران الحوثية، بما يضمن أمن واستقرار الملاحة الدولية في البحر الأحمر. وهذا حديث نتفق معه ونؤكد عليه، غير أن الخطاب السياسي، مهما بلغت أهميته، لم يعد كافيًا وحده، كما لم يعد مقبولًا إبقاء هذا الملف في إطار التصريحات والتحذيرات دون ترجمة عملية على الأرض.
إن المتغيرات المتسارعة التي تشهدها المنطقة اليوم تمنح مجلس القيادة فرصة استراتيجية، إن كان جادًا بالفعل، للمضي نحو إنهاء سيطرة مليشيات إيران الحوثية، ورفع تهديدها الذي لم يعد مقتصرًا على الملاحة الدولية في البحر الأحمر فحسب، بل تجاوز ذلك ليطال أمن الخليج العربي، والدول المطلة على البحر الأحمر، ويمتد أثره إلى الأمن الاقتصادي الإقليمي، وفي مقدمة ذلك اقتصادا مصر والأردن.
لقد بات النفوذ الإيراني في اليمن، يا أصحاب الفخامة، قضية تهديد إقليمي شامل، ولم يعد مجرد شأن يمني داخلي. ومن هنا، فإن الواجب الوطني والسيادي يفرض على مجلس القيادة والحكومة أن يكونا اليوم حاملَي مشروع سياسي وعسكري واقتصادي متكامل، يهدف إلى إنهاء هذا النفوذ وإخراجه من اليمن. ومتى ما وُجد هذا المشروع بصورة واضحة وجادة، فإنه سيحظى، بلا شك، بدعم واسع من دول المنطقة والإقليم، فضلًا عن المجتمع الدولي.
أما إبقاء مصير اليمن والمنطقة مرهونًا فقط بسياسات وتوجهات الأشقاء، وتحول القيادة اليمنية إلى مجرد جهة تنفيذية بلا إرادة مستقلة أو قدرة على المبادرة واتخاذ القرار، فذلك وضع لا يمكن أن يستمر. ولا أعتقد، بل أجزم، أن الأشقاء في المملكة العربية السعودية يقبلون بهذا النموذج من الإدارة السياسية.
وحين نستمع إلى بعض النخب السعودية، نجد حديثًا واضحًا وصريحًا مفاده أن مجلس القيادة والحكومة لا يمتلكان حتى الآن أي مشروع وطني متكامل تم تقديمه إلى الرياض لمناقشته ودعمه. بل إن بعض تلك النخب ذهبت إلى التأكيد على أن هذا الفشل في إدارة الشرعية بات يمثل عبئًا إضافيًا على المملكة، لا سيما في ظل المتغيرات الإقليمية الخطيرة، واتساع رقعة الحرب، وما فرضته من تحديات استراتيجية دفعت بالملف اليمني إلى هامش سلم الأولويات مقارنة بملفات أكثر إلحاحًا.
وشخصيًا، أميل إلى وجاهة هذا التقدير الذي تطرحه بعض النخب السعودية؛ لأنه يضع مجلس القيادة، والحكومة، والنخب السياسية اليمنية، أمام مسؤولية وطنية وتاريخية مباشرة، تتمثل في سرعة إعداد مشاريع تحرير وطنية جادة، تخلص اليمن والمنطقة من النفوذ الإيراني ومليشياته.
لقد وصلنا إلى مرحلة يصعب معها اتهام دول الخليج بالتورط في دعم النفوذ الإيراني في اليمن، مع إمكان استثناء سلطنة عُمان إذا اقتضى الأمر نقاشًا منفصلًا. وبصياغة أكثر وضوحًا: إن العامل الأكبر الذي أسهم في بقاء النفوذ الإيراني في اليمن لم يعد خارجيًا بقدر ما هو نتاج مباشر لفشل القيادة السياسية اليمنية — رئاسةً، وحكومةً، وأحزابًا — في بناء مشروع وطني قادر على المواجهة والحسم.
استمرار هذا الفشل، في جوهره، هو الفعل الذي منح إيران ومليشياتها مساحة البقاء والتمدد في اليمن
والخلاصة ان النخبة السياسية اليمنية في زاوية اختبار الارادة الوطنية ان كانت مازالت تحمل معناها الوطنية في أعماقها